رشدي أباظة.. عاصفة الوسامة التي تودد إليها الضوءثمة رجال لا يمرون في حيواتنا كعابرين، بل يتركون خلفهم أثرًا يشبه رائحة المطر على أرضٍ قاحلة. هكذا كان هو.. "رشدي أباظة". رجلٌ لم تصنعه عدسات المخرجين، بل صُنعت الكاميرا خصيصًا لكي تتعلم كيف تلاحق خطواته، وتقتبس من بريق عينيه سحرًا لم تملكه شاشات الأبيض والأسود قط.ولد في أغسطس من عام 1926، يحمل في عروقه كبرياء الشرق الأباظي العريق، ورقة الغرب الإيطالي التي ورثها عن أمه. هذا المزيج العجيب جعل منه رجلاً لا يشبه أحداً؛ فكان يتحدث خمس لغات بطلاقة، لكنه عندما كان يتحدث بـ "لغة عينيه" على الشاشة، كانت كل النساء يفهمنه دون الحاجة إلى ترجمة. كان يُقنعكِ بأنه الفارس الذي سينقذكِ من بؤس العالم، وفي الوقت ذاته، هو المتمرد الذي تخافين على قلبكِ من نيرانه.لم تكن بدايته مفروشة بالورود، بل اختبر عتمة الانتظار قبل أن تشرق شمسه. وحين جاء عام 1959، وأطلّ علينا بشخصية "عصمت" في فيلم الرجل الثاني، أدرك الجميع أن السينما العربية عثرت أخيرًا على "دنجوانها" الأبدي. لم يكن بحاجة ليتصنع الجاذبية، كانت الكاريزما تسير معه كظله.تنقل رشدي بين الأدوار كما يتنقل العازف الماهر بين الأوتار؛ تارة هو الفدائي الثائر في في بيتنا رجل، وتارة هو الزوج المستهتر الذي نغفر له كل خطاياه بمجرد ابتسامة في الزوجة 13، وتارة أخرى هو الرجل الذي يبكي قهرًا من أجل امرأة أحبها. وفي كل تلك الحالات، كان يثبت أن وسامته لم تكن سوى غلاف خارجي لموهبة فذة، كبرياؤها جعله يرفض "هوليوود" وفيلم لورانس العرب، مفضلاً أن يظل ملكًا متوجًا على عرش قلوب أبناء لغته.أما عن الحب في حياته، فقد كان كتابًا مليئًا بالقصص الصاخبة. قلبٌ كقلبه لم يكن ليرضى بالحب العادي. تزوج جميلات عصره، من رقصة تحية كاريوكا المتمردة، إلى هدوء وحنان سامية جمال التي عاشت معه أطول فصول عمره، ووصولاً إلى شقاوة صباح. كان يبحث في كل امرأة عن ملاذٍ لروحه القلقة، وجسرٍ يعبر به فوق صخب الشهرة.وفي تموز من عام 1980، قرر القدر أن يضع حدًا لرحلة هذا الفارس الجميل. داهمه مرض سرطان الدماغ، ذلك الوجع الذي حاول أن يكسر كبرياءه، لكن رشدي مات كما عاش.. واقفًا كالأشجار، يصور مشاهد فيلمه الأخير الأقوياء حتى رمقه الأخير، وكأنه كان يودع السينما بقبلة أخيرة.رحل رشدي أباظة عن عمر يناهز ثلاثة وخمسين عامًا، لكنه لم يمت. كلما انطفأت أنوار صالة العرض وبدأ فيلم قديم، يطل علينا بابتسامته الساحرة ليذكرنا بأن زمن الحكايات الجميلة والرجال الفريدين.. كان هو عنوانه الأبرز.
لبسمة محمد