في قلب المشهد الشعري المصري المعاصر، يقف الشاعر محمد فرغلي كأحد أبرز الأصوات التي استطاعت أن تحول اليومي والعابر إلى نص مدجج بالحس الإنساني والدهشة. هو شاعر لا يكتفي بالقبض على جمر القصيدة، بل ينسج منها مرايا تعكس تحولات الذات والمجتمع، متكئاً على ثراء تجربة امتدت بين دواوين حاصدة كبرى الجوائز كجائزة الدولة التشجيعية وجائزة أحمد فؤاد نجم، ومسؤولية ثقافية يقود من خلالها إدارة تحرير سلسلة "ديوان الشعر العامي" بالهيئة المصرية العامة للكتاب.
في هذا الحوار الخاص لمجلة "قعدة مبدعين"، نغوص مع الشاعر محمد فرغلي في عوالم قصيدته؛ نبتدئ من بدايات التكوين والتحول، ونعبر معه محطات التفرغ والجوائز، وصولاً إلى رؤيته لبنية العامية المصرية وراهنها
1-اهلا بالشاعر محمد فرغلي في قعدة مبدعين، هل من الممكن أن تعرف رواد المجلة عنك أكثر ؟
اهلا بكم، محمد فرغلي شاعر سوهاجي مواليد القاهرة ١٩٩٠
عشت ودرست هنا في القاهرة رغم امتداد جذوري كلها من ناحية أبي وأمي لمحافظة سوهاج
أحببت الكتابة منذ الصغر خصوصًا (موضوع التعبير) في مرحلة إبتدائي ثم ما بعدها.
تربيت في بيت محب للشعر والثقافة والأدب خاصة مع أبي وأمي في زيارتهم السنوية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
فأمي كانت تكتب الشعر فكانت تأخذني معها لحضور أمسيات الشعر بالمعرض وأنا طفل
وأبي (مدرس التربية الزراعية) الذي ورثت عنه مكتبة ضخمة بها كل المواضيع وخاصة دواوين الشعر.
كتبت أول محاولة لي أيام أنتفاضة فلسطين عام ٢٠٠١ خاصة عن الشهيد محمد الدرة ومن بعدها بدأت محاولات أكثر مع الكتابة بالفصحى بعد دراسة الأدب في مرحلة الثانوية
واستمر حبي لكتابة الفصحى حتى مرحلة الجامعة التي كنت متأثرًا فيها بكتابة الشاعر الكبير نزار قباني
دخلت الكلية وأول ما سألت عنه جماعة الأدب التي ضافت لي الكثير خاصة التواصل مع شباب يهتمون بمثل ما أهتم به
ومن خلال الجامعة تعرفت على نشاط الأدب في ساقية عبد المنعم الصاوي وهناك تعرفت على شعراء متحققين في (لقاء الأدباء) ضافوا لتجربتي الكثير حتى محاولتي الأولى في كتابة شعر العامية عام ٢٠١٠ وقصيدة (الخواجة)
ومن يومها وقد أحببت كتابة شعر العامية وبدأت قراءة تجارب الشعراء الكبار ومتابعة كل ما يتم طرحه من الشعراء المجايلين.
2-بين بكالوريوس التجارة وعوالم الشعر العامي مسافة،
كيف أثرت الدراسة الرقمية والحسابية على حسك الشعري، وهل كانت قصيدتك «نقطة ومن أول يناير» في 2011 هي نقطة التحول الفعلي في مسار التفرغ للقصيدة؟
قصيدة (نقطة ومن أول يناير) كانت بداية الانطلاق الحقيقي في كتابتي لشعر العامية حيث كانت القصيدة التي أكدت على بداية ظهور موهبتي وتحققها أو نضوجها وما أكد لى ذلك فوزها بجائزة الشعر في الجامعة ثم في مسابقة محاكاة جائزة نوبل ٢٠١١
3-ينطوي عنوان ديوانك "إيكو، صدى من صرخة مكتومة" على حس درامي وصوتي لافت، ما الذي كنت تحاول استحضاره أو فك حصاره من خلال هذا الصدى الشعري؟
كتبت هذا الديوان في فترة الغربة في دولة الكويت فكنت متأثرًا وأشعر بالحنين بكل الذكريات التي عشتها في مصر التي كانت تتسرب لي من خلف أبواب العزلة في فترة وباء كورونا
فكان صدى هذه الذكريات قوي يأتي بكامل صورته أحيانًا وأحيانًا أخري يأتي غير مكتمل أو مخلوط بالأمنيات التي لم تتحق.
فربطت بين الأسطورة (إيكو) وبين قصة الصدى الذي بدأ معاها كما ذكرت الأسطورة وبين هذا الصراخ المكتوم داخلي.
4-فزت بجائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية مرتين، الأولى عن "من شظايا الحرب" والثانية عن "إيكو"؛ ماذا تمثل هذه الجائزة بالنسبة لك خاصة بعد ما أصبحت جزءًا منها!
جائزة نجم منذ صدورها وجميع شعراء العامية حريصين على التقديم والمشاركة بها لأنها للحق أحدثت ضجة ونجاح كبير لنظامها وحياديتها في التحكيم وكذالك البحث عن التنوع والاختلاف في تجارب العامية التي كانت ومازالت تكرر نفسها إلا بعض الشعراء الذين أثبتوا ان لهم صوتهم الخاص.
5-حصلت على جائزة الدولة التشجيعية عام 2023 عن ديوان "طلّة من برواز"، كيف تنظر إلى الاعتراف الرسمي بالتجربة الشعرية الشابة، وما الذي يضيفه هذا التكريم لمسؤولية الكاتب تجاه قارئه؟
بالنسبة لي هذه أهم النقط المضيئة في مسيرتي الشعرية
فهي من (مصر) وباسم مصر وهى أعلى جائزة أدبية تُمنح للشباب من حيث المكانة الرفيعة والصدى الذي تحدثه في حياة الكاتب أو الشاعر.
هي بداية الاعتراف بأهمية تجربتك وتميزها فهي تُمنح لشاعر واحد فقط من بين مجموعة كبيرة من التجارب.
وتجعلك في تحدى نفسك لما هو قادم
تجعلك أكثر اتزاناً وصبرًا وزهدًا في الكتابة كى تبحث عن الجديد والمختلف.
ولا أنكر أبدًا انها غيّرت الكثير من الأمور في حياتي للأحسن وجعلت منى شاعرًا محترفًا قادرًا على تمرير ما وصل له من معرفة لغيره بكل هدوء ومحبة.
6-بصفتك مدير التحرير الحالي لسلسلة "ديوان الشعر العامي" بالهيئة المصرية العامة للكتاب؛ كيف ترى مشهد العامية المصرية اليوم، وما معاييرك في فرز الأصوات التي تستحق النشر؟
منذ ان رشحني الشاعر الكبير أ.يسرى حسان لهذا المنصب وبدأت مرحلة جديدة في حياتي مع القراءة والكتابة
فتحولت من القراءة الباحثة عن المتعة والدهشة إلى القراءة الفنية التي تبحث في الشعر عن تفاصيله المختلفة وأدواته الفنية
بدأت مرحلة جديدة من محاولات تطوير كتابتك إلى محاولة البحث عن الكتابة التي فيها تطور العامية ككل وما أصعب العمل التحريري لشاعر يتحول من الخاص إلى العام
لكن أخذت هذا المنصب بحب وبجدية لأكون جزءًا وشاهدًا على ابداع غيري من الشعراء.
المعايير والذائقة تختلف فلكل لجنة فحص رأيها الخاص الذي تراه مناسبا وجادًا للنشر
لكن من وسط العديد من التجارب المكررة نجد كنوزًا كثيرة تثبت أن هناك تطور وأن هناك تجارب شعرية مختلفة وإن قَلت.
7-حصولك على منحة التفرغ من وزارة الثقافة لثلاثة أعوام متتالية (2024-2026) ماذا يمثل لك، وكيف أثرت هذه المساحة من الزمن الحر على غزارة إنتاجك وتطور مشروعاتك الشعرية؟
التفرغ للكتابة هو حلم كل شاعر إو كاتب
أن يبحث ويكتب ويضيف ويحذف بلا أي تكدير وشوائب من العالم المحيط
كم هي ممتعة تلك الساعات التي نقضيها مع الورقة والقلم فقط
لي عدة مشاريع وأفكار كانت تحتاج لهذا التفرغ
فكان فضل الله عظيمًا حين مُنحت هذه الجوائز ثم منح التفرغ لحبي وعشقي للشعر فهذا أكبر إثبات أن حقًا من جد وجد وأنا لمن يعرفني يعلم أن الشعر بالنسبة لي حياة وليس جزءًا من حياة.
8-تنوعت عناوين دواوينك بين البعد الاجتماعي والحربي والرمزي وصولاً إلى "أبعاد جديدة لعساكر لعبة" و"كبسولة فرغلي الزمنية"؛ كيف تبني ثيمة كل ديوان، وهل يتعمد فرغلي الاختلاف في العنوان والمضمون في كل إصدار جديد؟
بعد العديد من التجريب في كتابة القصائد المتنوعة المواضيع وبعد الاطلاع على العديد من تجارب الشعراء الراحلين وجدت أن كتابة (المشروع) هي الأقرب إلى قلبي
فبدأت بالكتابة عن أكثر ما شغلني منذ الطفولة (الحرب) فكم أحببت افلام حرب أكتوبر المجيدة وكم كتبت عنها في مواضيع التعبير والرسم
وكان سؤالي بيني وبين نفسي ما هي الحرب ولماذا نحارب فكانت قصائد الديوان (من شظايا الحرب) كلها بعين طفل صغير يحكى عنها من منظوره.
وهكذا بدأت الكتابة بفكرة المشروع فهي بلغة الباحثين تضيف لك نوعًا من الجدية وتجعل من الكتابة وردًا يوميًا وتمنحك حرية التجريب في نفس الموضوع.
فكل كتاب من دواويني الشعرية يتحدث عن موضوع واحد لكن بأكثر من كادر وزاوية إخراج بلغة السينما.
9-حمل ديوانك الصادر عام 2026 عنواناً محفزًا ومباشرًا وهو "سين سلاح ميم مقاومة"، ما الرسالة الفكرية والجمالية التي يطرحها الديوان في ظل الوضع الراهن العربي والمحلي؟
هي فكرة أصيلة في الوطن العربي ككل ومصر خاصة منذ بداية الاحتلال الذي مررنا به عبر السنين.
فلكل محاولة احتلال لابد من مقاومة مشروعة وعادلة من أهل الأرض.
ومع بداية حرب غرة ٢٠٢٣ ومع تكرار المجازر كان لابد من المقاومة حتى لو بأضعف ما نملك ألا وهى الكتابة.
الأبنودي في ديوانه (الموت على الأسفلت) كان قدوة في فكرة الكتابة عن هذه الاحداث والمقاومة بالكتابة كى يستمر الكفاح ولا تنسى الأجيال حتى وإن كانت الكتابة لا تقدر على حمل شهيد أو ضرب المحتل. لكن (نحاول) كما قال.
10- إذا طلبنا منك اختزال فلسفتك في الحياة والشعر في شطر واحد من قصائدك، ماذا سيكون؟
(قلبي عمره ما شال سلاح)
11-هل يمكن أن تهدي للمجلة نصًا من ابداعك ؟
أهديكم قصيدة من ديوان تحت الطبع اسمه (السريحة):
لوحة في الشارع
(عن حوار ما حصلش بين واحد من الباعة الجائلين وبين واحد من السريحة
- لو حتى شايف فرشتي دراعي
فانا عقلي بيجره الشقا بالدين
-وأنا فرشتي: لوحتي في معارض الشارع
مهما فرشنا الأرض والعالم
باعة في نظرهم
إنما زبوني..
شاف كل فرشة ع الرصيف برواز
بحة في صوتي ملوّنة المشهد
رصة بضاعتي بقت مدارس فن
وكل بياع ع الطريق فنان
واقف جوار الفرشة مهما ترخ
وعشانها يقطع روحه مش ودنه
راس ماله إيده زيه كان ڤان جوخ
هنا في الشوارع سلفادور سرّيح
والسريالية مغرقة الإشارات
وبيكاسّو واقف بالدرة المشوي
ودافنشي بالترمس على الكورنيش
سرّيحة بتشكّل في أكل العيش
كل اللوح في العرض أصليّة
إزاي يكون قلبي البسيط تحفة
مع إني من خامة محلّية
يمكن قصاد الصدق في عْينيّا
كل المتاحف كدبة شكليّة
وعنادي عجّز كل أهل الفن
وِاحتار جميع الرسامين فيّا
لو شافوا سرّيح رجلُه مقطوعة
وبصوت جاهين بينادي: عسلية!
12-ما رأيك في الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟
مجهود عظيم ومحترم وتوثيق مهم لتجارب الشعراء.
وفي النهاية نرى ان قيمة الجوائز حينما تُعطى لمن يستحقها تستطيع أن تفعل الكثير، ومن خلال تجربة "فرغلي" نستطيع ألا نقلق على الشعر.
أسرة مجلة قعدة مبدعين تتمنى لك كل التوفيق والازدهار أيها المبدع .
حوار بقلم يمنى أبو السباع