سيدي صاحب اللحن المبتور،
أكتب إليك في ساعةٍ متأخرة من الليل، وقد آثر السكون أن يجلس إلى جواري، كرفيقٍ يعرف من أمري ما لا يعرفه سواه.
ولست أدري، لِمَ خطر لي أن أحدثك الليلة تحديدًا؛ غير أن في الصدر حديثًا طال مقامه حتى أثقله، وربما كان لا بد له من منفذٍ أخير، ولو كان حروفًا تُسلَّم إلى ورقة لا تجيب.
لقد كان يومًا جميلًا، يا نون.
أو هكذا كان ينبغي له أن يكون.
لا تسألني ما الذي أفسد عليّ بهجة اليوم.
دع الأمر مستورًا؛ فثمّة أوجاعٌ إذا سُمّيت، ابتذلتها الأسماء.
لقد بلغ بي الأمر مبلغًا صرت معه أحنّ إلى السكينة أكثر من حنيني إلى الفرح، وأشتهي يومًا عاديًا لا يختبئ في أطرافه ما يُثقلني، أكثر مما أشتهي الأيام التي طالما حلمت بها.
غريبٌ أمر الإنسان يا نون؛
قد يقضي عمره يطلب النجاة، فإذا بلغها لم يعرف كيف يطمئن إليها.
وقد يظل يشتاق إلى يدٍ تطمئنه، حتى إذا امتدت إليه يدٌ، ارتجف قلبه من خشية أن تُسحب قبل أن يعتاد دفئها.
ولقد سئمتُ أن أكون عاقلةً في كل ما يؤلمني.
سئمتُ أن أزن كلماتي حين يكون قلبي في أشد الحاجة إلى أن يصرخ.
سئمتُ أن أبتسم في المواضع التي كان يحق لدمعةٍ واحدة أن تتحدث عني.
أتعلم ما أشد ما يؤلم المرء؟
أن يعتاد كتمان أوجاعه، حتى يصبح الصمت فيه غريزة، والبوح ترفًا.
ولا أدري متى أصبحتُ هكذا.
متى صار قلبي شديد الانتباه إلى ما قد يؤلمه، حتى غدا يخشى الفرح كما يخشى الحزن.
أحيانًا يا نون، لا أريد نصيحة.
ولا مواساة.
ولا كلماتٍ منمقة عن الصبر وقوة الاحتمال.
أريد فقط أن أجلس في مكانٍ لا يُطلب مني فيه أن أكون بخير.
أن أضع رأسي قليلًا، وأعترف بأنني تعبت، دون أن أخشى أن يُساء فهم تعبي.
ثم إنني لا أريد أن أكره أحدًا.
وهذه أيضًا إحدى مشقاتي.
فقلبي، على كثرة ما ناله، ما زال يكره القسوة أكثر مما يكره من قسا عليه.
وما زلت أبحث للآخرين عن الأعذار التي عجزوا هم عن البحث عنها لأنفسهم.
ربما كان ذلك غباءً.
وربما كان آخر ما تبقى فيَّ من رحمة.
لا أدري.
لكنني أدري شيئًا واحدًا، يا نون:
لقد تعبتُ من حمل قلبي كأنني أخشى عليه من العالم، بينما لم أجد في العالم موضعًا أضعه فيه.
فإن رأيتني هادئةً غدًا، فلا تظن أنني بخير.
بعض الهدوء ليس سكينة؛
بعضه استسلامٌ أنيق.
وسأظل أبتسم، وأمضي، وأحسن إخفاء ما بي كما عهدتني.
حتى يأتي يومٌ لا أحتاج فيه إلى إخفائه.
المخلصة لك،
تلك التي لم ينقصها الصبر،
بل أرهقها ما احتاجت أن تصبر عليه.