أيها القريب... البعيد...
لا أدري متى غلبني النعاس...
كلُّ ما أذكره أنني أغلقتُ آخر صفحةٍ من كتابي، وتركتُ كأسَ النبيذ إلى جوار الشمعة، ثم أسندتُ رأسي إلى الأريكة للحظة...
ويبدو أن تلك اللحظة كانت كافيةً ليختطفني حلمٌ، أقسم لو لم أستيقظ منه، لظننته حياةً أخرى كُتبت لي.
حين فتحتُ عيني...
لم أكن في غرفتي.
كان أمامي بابٌ خشبيٌّ عتيق، يتسلل من أسفله خيطٌ وحيدٌ من الضوء، كأن الليل نفسه يختبئ خلفه.
دفعتُه برفق...
لكنني لم أعبره.
في الأحلام... لا تدخل النساء من الأبواب.
وجدتُ نفسي أسير بمحاذاة شرفةٍ تتدلى منها عناقيدُ الياسمين، حتى انتهيتُ إلى مكتبةٍ لا تشبه مكتبات الأرض.
هناك...
كنتَ تقف.
تمنحني ظهرك، وكأن حضورك لا يحتاج إلى التفاتةٍ كي يُعلن عن نفسه.
كان معطفُك الأسود مُلقى فوق المقعد، وإلى جواره كأسٌ من نبيذٍ يلتقط ضوءَ الشموع، بينما كانت أصابعك تعبث بولاعةٍ فضية، دون أن تمنحها نارًا.
ابتسمتُ...
وقلتُ:
"حتى في الأحلام... تُجيد الاختباء."
ضحكت...
تلك الضحكة التي لا تُسمع، بل تُرى عند زاوية العين.
ثم قلت، دون أن تلتفت:
"وأنتِ... حتى في أحلامي لا تعرفين الطرق المستقيمة."
اقتربتُ.
وانتزعتُ الكأس من بين أصابعك، ثم ارتشفتُ منه رشفةً صغيرة.
رفعتَ حاجبك، وقالت عيناك قبل شفتيك:
"أتسرقين نبيذي؟"
ابتسمتُ وأنا أدير الكأس بين أناملي، حتى ارتجف الأحمر داخله.
"ومن قال إنه ما زال نبيذك؟"
اقتربتَ خطوة...
خطوةً واحدة كانت كافيةً ليختلط عبيرُ قهوتك بعطري.
قلتَ، بصوتٍ خفيضٍ أربكني:
"إذن... أعيديه."
رفعتُ الكأس إلى شفتيَّ مرةً أخرى، وارتشفتُ منه ببطء، وأنا لا أرفع عيني عن عينيك.
ثم همستُ:
"فات الأوان..."
ساد الصمت...
ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن النظرات كانت تتولى الحديث.
مددتُ يدي...
وأصلحتُ ياقة معطفك، كأن الأمر يعنيني منذ زمنٍ لا أذكر بدايته.
ثم تراجعتُ نصف خطوة، وقلتُ بابتسامةٍ جانبية:
"لا تنظر إليَّ هكذا... ففي الأحلام، حتى الكبرياء يرتكب حماقاته."
لم تُجب.
اكتفيتَ بأن نظرتَ إليَّ طويلًا
أطفأتِ الشمعةُ نفسها، وانسحب الضوء من الغرفة رويدًا.
وما عاد الليلُ شاهدًا إلا على حديثٍ لم أعد أذكر كلماته... كلُّ ما أذكره أنني حين استفقتُ، كان قلبي يخفق كما لو أن الحلم أخفى عني أجمل فصوله.
بـسـمـة الـقـاضـي
لا أدري متى غلبني النعاس...
كلُّ ما أذكره أنني أغلقتُ آخر صفحةٍ من كتابي، وتركتُ كأسَ النبيذ إلى جوار الشمعة، ثم أسندتُ رأسي إلى الأريكة للحظة...
ويبدو أن تلك اللحظة كانت كافيةً ليختطفني حلمٌ، أقسم لو لم أستيقظ منه، لظننته حياةً أخرى كُتبت لي.
حين فتحتُ عيني...
لم أكن في غرفتي.
كان أمامي بابٌ خشبيٌّ عتيق، يتسلل من أسفله خيطٌ وحيدٌ من الضوء، كأن الليل نفسه يختبئ خلفه.
دفعتُه برفق...
لكنني لم أعبره.
في الأحلام... لا تدخل النساء من الأبواب.
وجدتُ نفسي أسير بمحاذاة شرفةٍ تتدلى منها عناقيدُ الياسمين، حتى انتهيتُ إلى مكتبةٍ لا تشبه مكتبات الأرض.
هناك...
كنتَ تقف.
تمنحني ظهرك، وكأن حضورك لا يحتاج إلى التفاتةٍ كي يُعلن عن نفسه.
كان معطفُك الأسود مُلقى فوق المقعد، وإلى جواره كأسٌ من نبيذٍ يلتقط ضوءَ الشموع، بينما كانت أصابعك تعبث بولاعةٍ فضية، دون أن تمنحها نارًا.
ابتسمتُ...
وقلتُ:
"حتى في الأحلام... تُجيد الاختباء."
ضحكت...
تلك الضحكة التي لا تُسمع، بل تُرى عند زاوية العين.
ثم قلت، دون أن تلتفت:
"وأنتِ... حتى في أحلامي لا تعرفين الطرق المستقيمة."
اقتربتُ.
وانتزعتُ الكأس من بين أصابعك، ثم ارتشفتُ منه رشفةً صغيرة.
رفعتَ حاجبك، وقالت عيناك قبل شفتيك:
"أتسرقين نبيذي؟"
ابتسمتُ وأنا أدير الكأس بين أناملي، حتى ارتجف الأحمر داخله.
"ومن قال إنه ما زال نبيذك؟"
اقتربتَ خطوة...
خطوةً واحدة كانت كافيةً ليختلط عبيرُ قهوتك بعطري.
قلتَ، بصوتٍ خفيضٍ أربكني:
"إذن... أعيديه."
رفعتُ الكأس إلى شفتيَّ مرةً أخرى، وارتشفتُ منه ببطء، وأنا لا أرفع عيني عن عينيك.
ثم همستُ:
"فات الأوان..."
ساد الصمت...
ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن النظرات كانت تتولى الحديث.
مددتُ يدي...
وأصلحتُ ياقة معطفك، كأن الأمر يعنيني منذ زمنٍ لا أذكر بدايته.
ثم تراجعتُ نصف خطوة، وقلتُ بابتسامةٍ جانبية:
"لا تنظر إليَّ هكذا... ففي الأحلام، حتى الكبرياء يرتكب حماقاته."
لم تُجب.
اكتفيتَ بأن نظرتَ إليَّ طويلًا
أطفأتِ الشمعةُ نفسها، وانسحب الضوء من الغرفة رويدًا.
وما عاد الليلُ شاهدًا إلا على حديثٍ لم أعد أذكر كلماته... كلُّ ما أذكره أنني حين استفقتُ، كان قلبي يخفق كما لو أن الحلم أخفى عني أجمل فصوله.
بـسـمـة الـقـاضـي