حوار صحفي مع يونس أبو سبع

التشجيعية تفتح أبوابها ليونس أبو سبع 
لقاء خاص لمجلة "قعدة مبدعين"


حينما تتوج المؤسسات الوطنية الرفيعة جيل الشباب، فإنها لا تمنح مجرد جائزة، بل تعلن عن ميلاد صوت إبداعي استطاع أن يحفر اسمه بجدارة في وجدان المشهد الثقافي. وضيفنا في هذا اللقاء الاستثنائي هو أحد أبرز فرسان القصيدة الحديثة الذين جمعوا بين قوة اللغة، وشغف الشاعر المجدد.
هو الشاعر والمدقق اللغوي يونس أبو سبع، خريج «دار العلوم» والمتوج بأرفع الجوائز الوطنية وآخرهم جائزة الدولة التشجيعية، والذي استطاع في سنوات قليلة أن ينطلق من شواطئ الإسكندرية عبر ديوانه الأول «سيرينادا لعروس البحر»، ليعبر بنا نحو آفاق نقدية وإنسانية أرحب في ديوانه الثاني «ضبابٌ يا أبي»، وصولاً إلى الوقوف على منصات التتويج الكبرى.
لم يقف إبداعه عند حدود القصيدة والدواوين، بل تجلت تجربته حارسًا للغة في مضمار التدقيق اللغوي والتعليق الصوتي، وحاضراً في قلب الحراك الأدبي بمشاركات حثيثة في بيت الشعر العربي والمهرجانات الثقافية بمصر والوطن العربي. واليوم، إذ تفتح «التقديرية» أبوابها لتقف إجلالاً لتجربته، تُثبت الأيام أننا أمام قامة شعرية جادة تنبض بالأصالة والوعي.
في حوار خاصة لقعدة مبدعين، نلتقي بالشاعر يونس أبو سبع لنبحر معه في عوالمه الشعريّة، ونفتش بين ثنايا الكلمة واللغة عن أسرار تجربته المتميزة وما يحمله المستقبل في جفنائه.


1-اهلا بك في مجلة قعدة مبدعين، هل يمكن أن تعرف رواد المجلة في سطور من هو يونس أبو سبع ؟

 أهلًا بكم، أعضاء مجلة قعدة مبدعين. تشرفت بكم كثيرًا.
أنا يونس محمد سبع، وشهرتي يونس أبو سبع. وُلِدتُ في الإسكندرية، وكتبتُ أولى قصائدي على شواطئها. بها محبوبتي الأولى، وبها صورتي، وأهلي الذين هم غصوني، وبها أصحابي القدامى، والشوارع، والمقاهي التي نشأتُ بينها. بها كل الأشياء التي أحملها معي أنا ذهبت.
ثم كانت رحلتي إلى القاهرة، حيث دار العلوم، تلك الأم المقدسة، وحيث جماعة الشعر، وحيث مركزية الثقافة. فلولا القاهرة، تلك الأم القاسية الحنون، لما عرف ابن البحر مرآته الأعمق على صفحة النيل العظيم.
لن أتحدث عن أعمالي، ومنجزاتي، والجوائز التي حصلتُ عليها، فقد تفضلت الأستاذة يمنى بتقديمها.
لكني أقول لكم، يا أصدقائي المبدعين، إنني أشعر أنني بينكم في هذا الاحتفال العائلي، تحت مظلة أبينا الفن. شكرًا لكم، ولإبداعكم.

2-مبارك فوزكم بمحطة تقديَربجائزة الدولة التشجيعية كيف ينعكس التتويج بجائزة رسمية على روح الشاعر؟ وهل ترى أن الجوائز تكليف يُثقل كاهل المبدع بمسؤولية النص القادم، أم أنها مجرد محطة استراحة وتقدير للمسار؟

 التتويج بجائزة كبيرة كجائزة الدولة التشجيعية يُعد تقديرًا عظيمًا وإشارة قوية بالدعم الروحي في المقام الأول، فهي بالتأكيد مسؤولية محببة لا تثقل الكاهل قدر ما تدفع الهمة وتعزز الإيمان، وهي من جانب آخر محطة استراحة أيضًا، لكنها ليست استراحة بمعنى التراخي والوقوف عند هذه النقطة، بل هي استراحة قصيرة من هاجس السؤال عن القيمة والجدوى والأثر.


3-نشأتكم في الإسكندرية وإهداء ديوانكم الأول «سيرينادا لعروس البحر» لمدينة.الأسكندرية مدينتك ، كيف تشكّل البحر والبُعد السكندري في وجدان يونس أبو سبع، وما هي اللمسة التي تركتها عروس البحر في قصائدك الأولى؟

* الإسكندرية فتاةٌ تنعم بالرقة والجمال. بعيدًا عن كونها مدينةً للثقافة والفن، وبعيدًا عن تراثها الحضاري والثقافي، فهي بنتٌ جميلة لها سحرها الخاص، وتجمع بين أشياء يستحيل الجمع بينها في أي بقعة من بقاع المعمورة. فهي تأسرك دون غضاضةٍ منها أو منك.
وقد نشأتُ في حيِّ اللبان، حيث البيوت القديمة التي ترك الملح بياضَه بين شقوق جدرانها، وشرفاتُها التي تشمخ في خيالي حتى الآن، وحيث الترام، مثلًا، شاهدٌ من الأشياء، مسالمٌ ووديع، لا يشبه طبع القطارات، وحيث تأخذ الفتاة الحُرَّة زينتَها من كل شيء، دون أي شائبةٍ من شيء، بوجدانٍ غارقٍ في الوعي بقيمة الحياة، ورفضٍ قاطعٍ لما هو دون الحياة.
ولن أزيد هنا على قول أمل دنقل:
«أعشق اسكندرية، واسكندرية تعشق لون البحر.»


4-في عام 2023م صدر ديوانكم الثاني "ضبابٌ يا أبي" وحظي باهتمام نقدي واسع ودراسات وفاز بجائزتين . كيف تطورت تجربة يونس الشعريّة بين "سيرينادا" و"ضبابٌ يا أبي"، وما أهمية هذا الكتاب بالنسبة لك ؟

 في «سرينادا لعروس البحر»، تلك التجربة الغارقة في الوجدان، والحافلة بالغناء والعزف، كنت أكتشف بنيةً جماليةً خاصة، وصوتًا ينمو بين ضلوعي، ويترعرع في ذهني وخيالي.
ثم كانت تحولاتٌ كبرى، ومغامرات، بين الإسكندرية والقاهرة، وطرق وعرة بين الشارع والكتاب، بين اكتساب الثقافة وممارستها على أرض واقعٍ حي، بين معايشة القصيدة وكتابتها. وبين كل هذه الأشياء يتفتق الوعي عن مضمونه الأعمق، وتتفتح الآفاق، وتتبدل القناعات، ويطور السؤال نفسه وصيغته، ويصبح للجماليات موضوعٌ وقضيةٌ إنسانية تطرحها.
فبعد الخطاب والعزف على شرف المحبوبة في «سرينادا لعروس البحر»، يأتي الخطاب الإنساني الواسع، المفتوح على الأفق، ويأتي الأب رمزًا وشاهدًا من البيت تارة، ومن السماء تارة، ومن العرش تارةً أخرى.
ويبدو أنها كانت تجربةً لافتة، والأكيد أنها لم تكن مجانيةً على سبيل الترف اللغوي، لكنها كانت رحلةً من المعايشة لا يُستهان بها. وبالفعل، حظيت بتقدير لجنة بيت الشعر بالأقصر، فأجازتها للنشر في الشارقة. ثم، بعد عامين من النشر، احتفى بالتجربة بيت الشعر بالأقصر على طاولة النقد في المهرجان الدولي لنقد الشعر العربي.
وأخيرًا، في قمة التتويج، جاءت جائزة الدولة التشجيعية لتؤكد، من وجهة نظر التلقي والنقد، أنها تسير على المسار الذي يليق بالشاعرية العربية، وبالشعر العربي الحديث.

5-أنت حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة (2018م) وتعمل مدققاً لغوياً. هل يُكبّل الصانع اللغوي والمدقق الصارم خيال الشاعر واندفاعة القصيدة لديك، أم أن التمكن اللغوي يمنحك أفقاً أرحب للإبداع، وهل ترى أن الناقد الأكاديمي اللذي يكتب خيرا من الناقد الأكاديمي المهني فقط؟

 علاقتي باللغة كعلاقتي بالأشياء تمامًا؛ شعريةٌ محضة، لكنها لم تنفصل قط عن واقعها الدراسي والمهني. فكانت تتشكل دائمًا داخلي وبين يدي، لا كما يحلو لنا تمامًا، ولكن كما يقتضي السياق في كل مرة.
وقد حاولت دائمًا أن أتفادى الوقوع في فخاخها، فلم أختر السهل، ولم أستسهل الصعب. فالصنعة هنا وليدة وعيٍ بالسياق، سواء أكان شعريًا، أم مهنيًا، أم اجتماعيًا، أم ثقافيًا، لا مجرد الوعي بالظاهرة اللغوية، أو بالبناء، أو بالقاعدة.
وقريبًا من هذا المعنى، أقول: نعم، إن الناقد الأكاديمي الذي يملك تجربةً في الكتابة خيرٌ من الناقد الأكاديمي المهني فحسب. ولماذا؟ لأن في الشعر منطقةً حدسيةً يكمن فيها المسكوت عنه، والمحذوف، والمضمر، ولا يصل إلى تلك المنطقة إلا واعٍ خبيرٌ بتلك الطرق الوعرة والمسافات البعيدة.
غير أن الممارسة أصلٌ في اكتساب كل شيء، ومعرفة جوانبه وغوامضه.


6-إلى جانب كونك شاعراً، تخوض تجارب في التعليق الصوتي، الكتابة الحرة، والنقد كيف يستطيع المبدع الشاب التوفيق بين متطلبات السوق التجاري والعمل الحر وبين حراسة الهوية الشعرية الخالصة وأسلوبه النقدي اللاذع في بعض الأحيان؟

 أعتقد أن المشكلة تبدأ حين ننظر إلى السوق باعتباره خصمًا للإبداع، أو ننظر إلى الشعر باعتباره ترفًا لا يجوز أن يقترب من الواقع. بالنسبة لي، أتعامل مع الأمر بطريقة مختلفة؛ فأنا لا أبيع القصيدة، وإنما أبيع المهارات التي علّمتني القصيدة إياها. التعليق الصوتي، والكتابة الحرة، وحتى النقد، ليس خروجًا من الشعر، بل امتداد له بأدوات أخرى.
تعلمت أن أجعل رزقي خارج القصيدة، حتى تظل القصيدة حرة. لأن النص الذي يكتب لإرضاء السوق وحده يفقد شيئًا من روحه، كما أن الشاعر الذي يرفض العالم تمامًا يخاطر بأن يتحول إلى صدى لنفسه، لذلك أحاول أن أترك لكل مجال منطقه، دون أن أسمح لأي منها أن يصادر هويتي.
أما النقد، فأنا لا أومن باللذع من أجل اللذع، ولا بالمجاملة من أجل العلاقات. أرى أن النقد الحقيقي يشبه الإشارة إلى وردة أو بؤرة ضوء داخل القصيدة، وأحيانا يشبه النقد مشرط الجرّاح؛ قد يؤلم، لكنه لا يجرح من أجل المتعة، بل من أجل أن يفتح طريقًا للحياة. وحين أكتب أو أتحدث، أحاول أن يكون انحيازي الأول دائمًا للحقيقة الفنية، لا للأشخاص ولا للمصالح.


7-لكم مشاركات وإشراف على أنشطة وفعاليات ملتقى بيت الشعر العربي (مركز إبداع الست وسيلة). كيف ترى حركة جيل الشعراء الشباب اليوم في مصر، وهل تقوم هذه الصالونات والمراكز بدورها المأمول، وما رأيك في مصطلح مثل العامية الجديدة؟

 أنا متفائل بجيل الشعراء الشباب، لكن تفاؤلي ليس ساذجًا. هناك أصوات حقيقية تمتلك حساسية فنية عالية، وتجارب تتشكل بوعي وجدية، وفي المقابل هناك أيضًا ضجيج تصنعه وسائل التواصل أكثر مما تصنعه القصيدة نفسها. لذلك لا أظن أننا نعاني من أزمة مواهب، بقدر ما نعاني من أزمة فرز ومعايير.
أما الملتقيات وبيوت الشعر، فأعتقد أنها ما زالت تؤدي دورًا مهمًا، ليس لأنها تمنح الشرعية لأحد، وإنما لأنها تخلق مساحة للحوار والاحتكاك وتبادل الخبرات. لكن نجاحها الحقيقي لا يقاس بعدد الأمسيات، بل بقدرتها على اكتشاف الأصوات الجديدة، وخلق مناخ نقدي جاد، لا مجرد منصة للتصفيق المتبادل.
وفيما يتعلق بمصطلح "العامية الجديدة"، فأنا أتحفظ على المصطلحات التي تُطلق قبل أن تستقر الظواهر نفسها. كل جيل يكتب عاميته بلغته وحساسيته وأسئلته، لكن التجديد الحقيقي لا يأتي من تغيير الاسم، وإنما من تغيير الرؤية. ما يبقى في النهاية ليس اللافتة التي نعلقها على التجربة، بل القصيدة نفسها؛ لأنها وحدها القادرة على إثبات أنها تنتمي إلى زمنها، أو أنها تتجاوزه.


8-حللت ضيفاً على العديد من البرامج الثقافية عبر شبكات الإذاعة والتلفزيون. ما مدى أهمية وصول الشاعر للجمهور عبر أثير الإذاعة والتلفزيون في زمن طغت فيه منصات التواصل الاجتماعي؟

 الأهمية لكل النوافذ دون منافسة بينه، والمشكلة ليست في الوسيلة، بل في طبيعة ما نقدمه من خلالها. فمنصات التواصل قادرة على أن تصنع شهرةً سريعة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع قيمةً باقية. وفي المقابل، فإن الظهور في الإذاعة أو التلفزيون لا يعني شيئًا إذا لم يكن وراءه مشروع إبداعي حقيقي.
لذلك أحاول أن أتعامل مع كل نافذة باعتبارها فرصة للوصول إلى قارئ جديد، لا فرصة لجمع مشاهدات جديدة. فالقصيدة لا يهمها منبرها بقدر ما يهمها أن تصل إلى من يصغي إليها. وإذا كانت الكلمة صادقة ومتماسكة، فإنها تستطيع أن تعبر شاشة التلفزيون، وسماعة الراديو، وهاتفًا صغيرًا في يد شاب، دون أن تفقد جوهرها.


9-بعد هذه المسيرة الحافلة بالجوائز، ما هو المشروع الشعري أو الديوان القادم الذي تعتكف على تحضيره ؟

 خطتي المقبلة تتمثل في التركيز بشدة على ألا أكرر نفسي فيما هو آت، وأن أبحث عن مناطق مختلفة وجديدة من روحي..
أعمل على تنسيق ديواني الثالث بانتقائية ودقة شديدة، وآمل أن أقدم فيه تجربة تمس القارئ المعاصر، وتمس الإنسان في كل زمان ومكان، كما أفكر في استئناف مشروع سردي كنت قد بدأته منذ فترة.

10- هل تهدي للمجلة قصيدة من ابداعك:

 يسعدني بكل تأكيد أن أهديكم قصيدتي:

(الفرصة):
لَمْ تَأْتِ عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ
هِيَ أَصْدَاءُ التَّجْرِبَةِ
ظِلَالُ النَّاسْ
كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا
كَانَتْ أَجْمَلَ مِنْ صَرْحِي
كُنْتُ جَمِيلَ البَسْمَةِ وَالإِحْسَاسْ

قَالَ الهُدْهُدُ لِلْمَلِكِ الحُرِّ:
سَآتِيكَ بِحُبٍّ،
وَقَالَ المَلِكُ بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعْهُ الطَّيْرُ
وَلَمْ تَجِدِ الجَانُّ إِلَيْهِ سَبِيلًا

يَا حُبُّ تَنَفَّسْ فُرْصَتَكَ
وَخُذْ مَا يَكْفِيكَ وَلَا يَكْفِيكَ
وَدَعْنِي أَتَفَقَّدْكَ كَثِيرًا فِي المَلَكُوتِ
وَإِنْ خِفْتُ أَوِ ارْتَبْتُ..
فَكُنْ لِي هَذَا الوسْوَاسْ

الفُرْصَةُ لَيْسَتْ عَبَثًا،
لَيْسَتْ مَحْضَ إِرَادَةٍ
هِيَ بَابٌ خَلْفَ البَابِ.. بِلَا حُرَّاسْ
تَدْخُلُهُ أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ جَمِيعُ الأَعْرَاسْ
مَنْ يَدْرِي كَيْفَ عَلَى العُشَّاقِ تَدُورُ الكَاسْ!

الفُرْصَةُ وَحْيٌ فَاشقَ بِهِ..
وَانْتَهِزِ الوَصْلَ..
وَلَا تَسْتَعْجِلْهُ كَثِيرًا..
فَالمَوْعِدُ لَا تُخْطِئُهُ الأَجْرَاسْ

11-ما رأيك في الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟

‌ حقًّا كان حوارًا ملهمًا وممتعًا كثيرًا، شكرًا لهذه المساحة الرحبة.. أما مجلة قعدة مبدعين، فأرى أنها تقوم بدور مهم في الاحتفاء بالمبدعين والحوار الثقافي في وقت أصبحت فيه المادة الثقافية الجادة أقل حضورًا في المشهد الإعلامي. أتمنى لها أن تستمر في الانحياز إلى الجودة، وأن تظل منصة تفتح أبوابها للتجارب المختلفة، وأتوجه بشكر خاص لكِ صديقتي العزيزة أ. يمنى أبو السباع لإدارتك هذا الحوار، بذكاء ووعي شديد، وإلمام بمادة موضوعنا أدبيا وإعلاميا، فقد جاءت الأسئلة بعيدة عن النمط التقليدي المتعارف عليه، لتدخلني في حوار حقيقي عميق وملهم مع ذاتي قبل كل إجابة.. شكرًا وأتمنى لكِ كل الألق والازدهار.
‌حوار بقلم يمنى أبو السباع

إرسال تعليق

أحدث أقدم