وصال شعبان.. حين يصبح الصمت مادةً للحكاية

وصال شعبان.. حين يصبح الصمت مادةً للحكاية

ثَمَّةَ كُتّابٌ يطاردون الحكاية حيثما ولّت، وثَمَّةَ من يتركون للحكاية أن تأتيهم من شقوق الإنسان؛ من رجفةٍ عابرة في صوتٍ مكسور، ومن نظرةٍ خبّأت وراءها عمرًا كاملًا، ومن صمتٍ طال حتى صار أشبه بلغةٍ ثانية لا يجيد قراءتها إلا من أنصت طويلًا.

وفي هذه المنطقة المواربة بين ما يُقال وما يستعصي على القول، تتشكل تجربة وصال شعبان؛ الكاتبة والروائية والسيناريست العربية المقيمة في ألمانيا، التي اتخذت من الإنسان مادةً أولى لحكاياتها، لا الإنسان في صورته التي يراها العابرون، بل ذلك الكائن الخفيّ الذي يقيم وراء الملامح، ويصنع معاركه بعيدًا عن أعين الآخرين.

لا تبدو الكتابة عند وصال ترفًا لغويًا، ولا تمرينًا على تشييد الأحداث والشخصيات؛ إنها، في جوهرها، محاولة لرفع الستار عن ذلك المسرح الداخلي الذي لا يراه أحد.

هناك، حيث تتجاور الرغبة والخوف، والفقد والذاكرة، والوعي والحيرة، وحيث يخوض المرء أكثر معاركه ضراوة دون أن يرفع صوتًا واحدًا.

ومن ثمّ، فإن اهتمامها بالعلاقات الإنسانية، والصراعات النفسية، والتحولات الداخلية، والفقد، والبحث عن الذات، ليس انشغالًا بموضوعات منفصلة بقدر ما هو التفافٌ حول سؤال واحد: مَن يكون الإنسان حين تسقط عنه الصورة التي اعتاد العالم أن يراه بها؟

حين تغادر الحكاية الورق

وإذا كانت الرواية تمنح الكاتب فسحةً واسعة ليقتفي أثر الروح في دهاليزها، فإن السينما تضع أمامه امتحانًا آخر؛ أن يجعل ما يسكن الداخل قابلًا للرؤية.

وهنا تتجه تجربة وصال إلى مساحةٍ أكثر رحابة، فتشتغل على تطوير القصص والسيناريوهات السينمائية والدرامية، مستندةً إلى وعيٍ بالعلاقة الدقيقة بين الكلمة والصورة والصمت. فليس كل ما يُقال ينبغي أن يُقال، وليس كل ما يُخفى يظل بلا أثر؛ أحيانًا تكون نظرة واحدة أبلغ من صفحة، ويكون الصمت مشهدًا مكتمل الأركان.

وتتنقل مشاريعها بين الدراما الاجتماعية والنفسية والتشويق والغموض، في أعمال من بينها Language of Light، وThe Forbidden Game، وThe Echo، وThe Empty Chair، وWings of Clay، وThe Skin Factory؛ وهي مشاريع تكشف عن ميلٍ إلى استكشاف الإنسان من أكثر من نافذة، وعدم الارتهان إلى جنس حكائي واحد.

لكن بين هذه المشاريع تبرز تجربة تحمل عنوانها بوصفه موقفًا لا مجرد اسم.

«قادر… رغم كل شيء»

أن تقول «قادر» في مواجهة كل ما قد يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بعكس ذلك، فهذه ليست كلمة عابرة؛ إنها استعادةٌ لمعنى القدرة من بين أنقاض الصورة النمطية.

في سلسلة الأفلام الإنسانية «قادر… رغم كل شيء – Capable… Despite Everything»، تلتفت وصال إلى أطفال وشباب يواجهون تحديات جسدية وصحية ونمائية وتعليمية وتواصلية مختلفة، من خلال إحدى عشرة قصة سينمائية.

غير أن جوهر المشروع لا يكمن في تعداد الصعوبات، بل في رفض أن تكون الصعوبة هي التعريف الوحيد للإنسان.

فبدل أن تقف الكاميرا في موضع الشفقة، تنحاز إلى موضعٍ أكثر إنصافًا: القدرة، والحلم، والموهبة، والكرامة.

وهنا يتحول الفن من مجرد وسيلة لسرد الألم إلى وسيلة لإعادة ترتيب زاوية النظر إليه.

أن يرى المشاهد إنسانًا قبل أن يرى تحديه، وحلمًا قبل أن يرى عائقَه، وصوتًا قبل أن يسمع ارتباكه؛ تلك هي المسافة التي يحاول المشروع أن يقطعها.

ومن رحم هذه السلسلة يأتي فيلم «صوتها – Her Voice»، حيث تصبح التأتأة والخوف من الكلام أكثر من مجرد عارض؛ يصبحان جدارًا بين الإنسان والعالم، وبين ما يريد قوله وما يملك القدرة على إخراجه إلى النور.

لكن الحكاية، في جوهرها، لا تتوقف عند الخوف من الكلام؛ إنها تستعيد للإنسان حقًا بالغ البساطة وعظيم الدلالة: أن يُسمع كما هو.

ما وراء العناوين

وفي الجانب الأدبي، تمتد تجربة وصال عبر أعمال مثل «حين لا تعود كما اعتادوا عليك»، و«الناجون بصمت»، و«الليلة التي عاد فيها صوت أمي»، و«الغرفة الأخيرة».

عناوينٌ تبدو كأنها أبوابٌ مواربة على حكايات لم تُغلق تمامًا؛ ففي «الناجون بصمت» يطل سؤال النجاة، لا بوصفها وصولًا إلى الضفة الأخرى، بل بوصفها أثرًا يبقى في الناجي. وفي «حين لا تعود كما اعتادوا عليك» تلوح مأساة التحول حين يصبح نمو الإنسان ذنبًا في أعين من ألفوا نسخته القديمة.

أما «الليلة التي عاد فيها صوت أمي»، ففي عنوانه وحده ذاكرةٌ كاملة؛ صوتٌ غاب، ثم عاد، والغياب حين يتعلق بالأم لا يكون غياب شخصٍ فحسب، بل غياب جزء من اللغة الأولى التي عرف بها الإنسان العالم.

وفي نصها «إلى الرجل الذي لم يعرف ماذا فعل»، الحاصل على شهادة تقدير أدبية بتقييم 66.5 من 80، تتجلى عناية أخرى بأثر الكلمة، وبذلك الأثر الذي قد يتركه التكريم أو الاعتراف في نفس الكاتب؛ فبعض الكلمات لا تمر بنا، بل تستقر في موضعٍ ما داخلنا، ثم تعيد تشكيل شيءٍ لا نراه إلا بعد زمن.

الكتابة بوصفها إنصاتًا

لعل أكثر ما يميز مشروع وصال شعبان هو هذا الانحياز المستمر إلى ما يقع خلف الظاهر.

فهي لا تنظر إلى التفاصيل الصغيرة باعتبارها هوامش في حياة البشر؛ بل تراها بذورًا لحكايات قد تنبت منها أسئلة كبرى.

وذلك هو الفارق بين من يكتب الأحداث، ومن يحاول أن يكتب أثرها.

فالحدث ينتهي، أما أثره فقد يظل سنوات؛ كلمةٌ قيلت في لحظة غضب، غيابٌ لم نفهمه، نظرةٌ لم ننتبه إليها، خوفٌ صغير كبر في العتمة حتى صار جزءًا من شخصية صاحبه.

من هنا تبدو الكتابة عند وصال أقرب إلى فعل إنصات طويل؛ إنصاتٍ لمن لم يجد اللغة المناسبة، ولمن ابتلع اعترافه، ولمن اعتاد الآخرون أن يختصروا حكايته في صفة واحدة، بينما كان في داخله عالمٌ كامل.

وهي، إذ تواصل تطوير مشاريعها الأدبية والسينمائية في ألمانيا، لا تكتفي بأن تضع الحكاية على الورق؛ بل تسعى إلى أن تمنحها طريقًا آخر نحو الشاشة، ونحو جمهور لا تحده جغرافيا واحدة ولا ثقافة واحدة.

وفي النهاية، ربما لا تكون مهمة الكاتب أن يملأ العالم بمزيد من الأصوات؛ فالعالم ممتلئ بها أصلًا.

المهمة الأشد نبلاً أن يلتقط صوتًا كاد أن يضيع، وأن يردّ للمنسيّين أسماءهم، وللصامتين لغتهم، وللإنسان صورته التي شوهتها نظرة الآخرين.

وهكذا تكتب وصال شعبان؛ لا لتقول لنا إن وراء كل إنسان حكاية فحسب، بل لتذكّرنا بأن بعض الحكايات لا تحتاج إلى من يرويها بقدر ما تحتاج إلى من يصغي إليها.
- بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي

1 تعليقات

  1. الكاتبة والسينارست وصال شعبان23 أغسطس 2026 في 10:14 ص

    أحيانًا يقرأ الكاتب مقالًا عنه، فيشعر أن شخصًا آخر استطاع أن يرى ما وراء الكلمات التي كتبها. هذا ما شعرت به وأنا أقرأ هذا المقال.
    لم يكن مجرد تقديم لأعمالي أو لمسيرتي، بل قراءة عميقة للإنسان الذي يقف خلف الحكايات، وللأصوات والصمت والتفاصيل التي أحاول أن أمنحها مكانًا في كتاباتي وأعمالي السينمائية.
    كل الامتنان للدكتورة بسمة جمعة القاضي على هذا النص الراقي والعميق، ولمجلة «قعدة مبدعين» على المساحة التي تمنحها للكلمة ولأصحاب التجارب الإبداعية.
    أعتز كثيرًا بهذا المقال، وسيبقى بالنسبة لي أكثر من مجرد لقاء أو تعريف؛ إنه شهادة جميلة على مرحلة من رحلتي، ودافع لأكتب ما هو أصدق وأعمق فيما سيأتي.
    شكرًا لأنكم لم تكتبوا عن أعمالي فقط، بل أصغيتم إلى ما وراءها. 🤍
    وصال شعبان

    ردحذف
أحدث أقدم