بسملة نوفل.. بين هندسة المكان وبلاغة الحرف
بعض الأشخاص لا تستطيع أن تعرفهم من أول لقاء.
ليس لأنهم غامضون، وإنما لأن داخلهم أوسع من أن يظهر دفعةً واحدة.
كلما ظننت أنك أمسكت بطرفٍ من حكايتهم، اكتشفت طرفًا آخر؛ موهبةً لم تعرفها، وحلمًا لم تسمع عنه، وشغفًا جديدًا يخرج من مكانٍ لم تكن تتوقع أن تجد فيه شيئًا.
بسملة نوفل واحدة من تلك الحكايات.
وحين أقول «حكاية»، فأنا لا أقصد المبالغة، ولا أبحث عن وصفٍ جميل لمجرد أن يكون جميلًا؛ وإنما لأن الإنسان الذي يستطيع أن يجمع في سنواته الأولى كل هذا القدر من التجارب، يستحق أن نتوقف قليلًا عنده، لا لنعُدّ ما أنجزه، وإنما لنسأل:
أي قلبٍ يتسع لكل هذا؟
فتاة ترى ما لا يراه الآخرون
ربما كان من الطبيعي أن تبدأ بسملة من العمارة الداخلية والديكور.
فهذا المجال يحتاج عينًا تعرف كيف تنظر إلى التفاصيل؛ كيف يمكن لزاوية صغيرة، أو لون، أو مساحة فارغة، أن تغيّر شكل المكان وإحساسه.
لكن يبدو أن تلك العين لم تكن تريد أن تتوقف عند حدود المكان.
امتدت إلى التصميم الجرافيكي، فصارت الصورة لغةً أخرى بين يديها.
عملت مصممة في مبادرة بحر لدعم المواهب، ودار ليلك للنشر والتوزيع، وأكاديمية مأمن لدعم المواهب، ودار حكايات للنشر، وجريدة أدباء مصر، كما شغلت منصب مدير مؤسسة نوفل للتصميم.
ومع كل تجربة، كانت تضيف إلى نفسها شيئًا جديدًا؛ لا لتقول: «انظروا كم فعلت»، وإنما لتكتشف هي نفسها:
كم أستطيع أن أفعل؟
ثم جاءت الكتابة...
هناك أشياء لا يمكن للعين أن ترسمها.
مشاعر.
أسئلة.
خوف.
حب.
ذكريات.
وأشياء كثيرة لا تجد مكانها إلا بين الكلمات.
وربما لهذا وجدت بسملة نفسها في الكتابة.
كاتبة وروائية، دخلت عالم الأدب بأعمالها؛ رواية «جحيم المصحات»، ورواية «أنا لحبيبي»، وكتاب «أبي الذي لم يكن أبًا»، إلى جانب مشاركاتها في الكتب المجمعة.
ثم امتد قلمها إلى الصحافة والكيانات الأدبية، فكتبت في جريدة الوعي السوري، وجريدة كيفوك جيهان، وجريدة شقائق، وشاركت في كيان مستقبل كاتب، وكيان يقين كاتب، ودار كيان نهاية.
وهنا لم تعد الكتابة مجرد موهبة أخرى تضاف إلى سيرتها.
لقد أصبحت مساحة تستطيع فيها أن تقول ما لا تقوله الصورة، وأن تمنح الفكرة قلبًا وصوتًا وذاكرة.
من خلف الستار أيضًا يُصنع الجمال
ولأن بسملة لا تعرف الوقوف عند حدود الدور الواحد، دخلت إلى مساحة العمل الثقافي.
تولت الإشراف العام على قسم الـVoice Over في مجلة قعدة مبدعين، وشاركت في إجراء وتسجيل حوارات مع عدد من كتاب دار الأثر الأدبي ضمن فريق المجلة.
كما شاركت في تنظيم المؤتمرات والفعاليات الأدبية والثقافية، وكانت ضمن فريق تنظيم معرض ساقية الصاوي لدى دار الأثر، إلى جانب مشاركتها في الكتاب المجمع «قعدة مبدعين».
وقد يبدو لمن يراقب المشهد من بعيد أن أجمل ما فيه هو ما يحدث فوق المنصة.
لكن الذين يعرفون قيمة التفاصيل يدركون أن أشياء كثيرة جميلة تبدأ من خلف الستار.
من يدٍ تنظم.
وصوتٍ ينسق.
وفكرةٍ تُرتب.
وشخصٍ يعمل لأن العمل يستحق أن يُنجز، لا لأن التصفيق ينتظره.
وهنا يظهر جانب آخر من بسملة؛ جانب لا يريد أن يكون حاضرًا فقط، بل يريد أن يكون جزءًا حقيقيًا من صناعة الحضور.
حين تصبح المعرفة هدية
ثم جاءت المحاضرات والتدريب.
شغلت بسملة منصب مقدمة محاضرات في علم النفس، وعملت محاضرة لدى مبادرة بحر، إلى جانب خوضها تجربة التدريب والمحاضرات في مجالات متعددة.
والمعرفة تصبح أجمل حين تتوقف عن كونها ملكًا لصاحبها.
حين تتحول من:
«أنا أعرف»
إلى:
«تعالوا نعرف معًا».
وهذا ما يضيف إلى تجربتها بُعدًا آخر؛ فهي لا تجمع الخبرات لتحتفظ بها، وإنما تفتح لها أبوابًا كي تصل إلى غيرها.
فالموهبة التي تنفع صاحبها جميلة، أما الموهبة التي تمتد لتمنح غيرها شيئًا، فهي أجمل.
بسملة ليست لقبًا
مهندسة.
مصممة.
كاتبة.
روائية.
محاضرة.
مدربة.
مشرفة على قسم للـVoice Over.
مشاركة في تنظيم الفعاليات الثقافية.
ومديرة لمؤسسة في مجال التصميم.
كل هذه الكلمات صحيحة.
لكنها، رغم ذلك، لا تكفي.
لأن بسملة ليست مجموع هذه المسميات.
هي الإنسانة التي تقف خلفها.
العين التي ترى التفاصيل.
واليد التي تمنحها شكلًا.
والقلم الذي يمنحها معنى.
والصوت الذي يحملها إلى الآخرين.
ولهذا يبدو تعددها أقل شبهًا بالتشتت، وأكثر شبهًا بإنسانة تحاول أن تستوعب كل ما تستطيع أن تكونه.
صغيرة في العمر.. واسعة في الحلم
بسملة من مواليد 2005.
وربما تكون هذه المعلومة وحدها كافية لأن تجعلنا نعيد النظر في الصورة كاملة.
فهي لا تقف أمامنا اليوم باعتبارها صاحبة مسيرة اكتملت، وإنما باعتبارها صاحبة بداية مبكرة وفضاء واسع لما يمكن أن يأتي.
في عمرٍ لا يزال كثيرون فيه يحاولون اكتشاف ما يحبون، كانت هي قد بدأت بالفعل في تحويل أكثر من شغف إلى تجربة.
ليس معنى ذلك أنها وصلت.
بل إن أجمل ما في الحكاية أنها لم تصل بعد.
لأن الوصول إلى النهاية يعني أن الحكاية اكتملت، بينما بسملة ما زالت تكتب فصولها الأولى.
وما زالت الصفحات مفتوحة
لا أحب أن أكتب عن شخصٍ ما وكأنني أضع نقطةً في نهاية حكايته.
وبالنسبة إلى بسملة، سيكون ذلك ظلمًا مضاعفًا.
لأن كل ما نعرفه عنها الآن قد يكون مجرد مقدمة لما سيأتي.
رواية أخرى.
كتاب آخر.
مشروع جديد.
تجربة مختلفة.
أو ربما طريق لم تفكر فيه بعد.
وهذا هو الجزء الأجمل.
أنها لم تتحول إلى نسخة نهائية من نفسها.
ما زالت تكتشفها.
وما زالت الحياة تمنحها مساحات جديدة لتقول فيها:
«هذه أيضًا أنا».
ومن القلب...
هذا المقال لم يُكتب لأننا أردنا أن نجمع أسماء الأعمال والمناصب في سطور أنيقة.
ولم يُكتب لأن كثرة الإنجازات وحدها تستحق المقالات.
كُتبت كلماته بكل الحب والتقدير لبسملة نوفل الإنسانة قبل أي لقب آخر.
وكتبته أيضًا لأنني فخورة بها جدًا؛ فخرًا لا تصنعه الألقاب وحدها، ولا تقيسه قائمة من الإنجازات، وإنما تصنعه رؤيتي لإنسانة اختارت أن تؤمن بما لديها، وأن تمنح مواهبها حقها من المحاولة، وأن تمضي في أكثر من طريق دون أن تفقد ملامحها.
فخورة بكل خطوة خطتها، وبكل مساحة صنعت فيها أثرًا، وبكل مرة قررت فيها أن تتعلم شيئًا جديدًا، وأن تضيف إلى نفسها بدلًا من أن تكتفي بما وصلت إليه.
ولأن بعض الشخصيات حين نعرفها نشعر أن الكلمات عنها يجب ألا تكون جافة، فقد أردت لهذا المقال أن يكون شيئًا يشبهها؛ دافئًا، صادقًا، ومتعدد التفاصيل.
هناك أشخاص يصبح الحديث عنهم نوعًا من الامتنان؛ لأنك لا ترى فيهم فقط ما حققوه، وإنما ترى أيضًا ذلك الشغف الذي دفعهم إلى المحاولة، والروح التي جعلتهم يستمرون، والجمال الذي يجعل إنجازاتهم أكثر من مجرد عناوين في سيرة ذاتية.
ولهذا، يا بسملة، لا تستعجلي أن تختاري تعريفًا واحدًا لنفسك.
اتركي للهندسة مكانها.
وللتصميم ألوانه.
وللكتابة أسرارها.
وللمعرفة أبوابها.
اتركي لكل موهبة فيكِ أن تأخذ مساحتها، دون أن تخافي من كثرة المساحات.
فبعض الأرواح لا تُخلق لتسكن غرفةً واحدة.
وبعض المواهب لا تأتي لتتنافس، وإنما لتتكامل.
وبعض الأشخاص لا يكون أجمل ما فيهم ما وصلوا إليه...
بل ذلك الضوء الذي يحملونه وهم في طريقهم إليه.
وبسملة نوفل، في هذه المرحلة من عمرها، لا تبدو كمن أنهت حكاية.
بل كمن فتحت دفترها للتو، وأمسكت قلمها، وتركت الصفحة الأولى تنتظر.
وأمامها صفحات كثيرة.
صفحات لا نعرف بعد ماذا ستكتب فيها...
لكنني أعرف شيئًا واحدًا، وأقوله بكل فخر:
أنا فخورة بكِ يا بسملة، وبكل ما أصبحتِ عليه، والأجمل أنني فخورة أكثر بكل ما لم تصلي إليه بعد؛ لأنني أعرف أن القادم منكِ أجمل. ❤️
بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي