هل يكتب التاريخ المنتصرون فقط؟

 مجلة قعدة مُبدعين 



 " هل يكتب التاريخ المنتصرون فقط؟ "


 التاريخُ ليس صفحاتٍ صفراءَ تُقلبها الأيدي، ولا حروفًا جامدةً تنام بين دفتي كتاب؛ بل هو ذاكرةُ الإنسانية ونبضُ الحضارات وصوتُ الزمن حين يعجز البشر عن الكلام، إنه المرآة التي تنعكس عليها وجوه الأمم، فإن صدقت أضاءت الحقيقة، وإن كُسرت تشظّت الصور، واختلط الحق بالباطل، حتى يغدو اليقينُ أسيرَ رواية، والروايةُ أسيرةَ المنتصر.

ومنذ أن عرف الإنسانُ الحرب وعرف معها طعم النصر ومرارة الهزيمة، وُلد سؤالٌ لا يشيخ، ولا يذبل، ولا يفقد بريقه مهما تعاقبت القرون: هل يكتب التاريخ المنتصرون فقط؟

للوهلة الأولى يبدو الجواب يسيرًا؛ فالمنتصر يملك السيف، ويملك العرش، ويملك القلم، ومن اجتمع في يده السيفُ والقلمُ استطاع أن يفرض روايته كما يفرض سلطانه، يرفع من يشاء إلى مصافِّ الأبطال، ويُسقط من يشاء في هاوية الخيانة، ويُلبس الحقيقة ثوبًا يُفصَّل على مقاس مصالحه، فكثيرًا ما كُتبت البطولات بحبر السلطة، بينما كُتبت الهزائم بمداد الاتهام.

ولكن..
هل تكفي قوة السيف لتغيير الحقيقة؟ وهل يستطيع الحبر، مهما اسودَّ، أن يحجب نور الشمس؟

إن الحقيقة تشبه الفجر؛ قد يُؤخره الليل، لكنه لا يستطيع منعه، وتشبه البذرة المدفونة في أعماق الأرض؛ قد يظن الناس أنها ماتت، لكنها تشق الصخور يومًا لتعلن أنها كانت تنمو في صمت.

وكذلك التاريخ
 قد يُدفن تحت ركام الأكاذيب، لكنه لا يلبث أن ينهض من بين الأنقاض، كالعنقاء التي تولد من رمادها، وكالنيل الذي يواصل جريانه مهما أُلقيت في مجراه الصخور.

لقد ظنَّ كثيرٌ من المنتصرين أن هدم المعابد يمحو العقائد، وأن إحراق المكتبات يقتل الأفكار، وأن إسقاط التماثيل يُسقط أصحابها من ذاكرة الزمن، لكنهم نسوا أن الحجر قد ينطق إذا صمت الإنسان، وأن الأطلال قد تشهد إذا كذبت الروايات، وأن التراب يخفي في أعماقه من الصدق أكثر مما تخفيه قصور الملوك.

فكم من مهزومٍ خسر المعركة، وربح التاريخ! وكم من منتصرٍ دوّى اسمه في زمانه، ثم ابتلعته هوامش الكتب، ولم يبقَ منه إلا مثالٌ للطغيان.

 إن النصر العسكري قد يمنح صاحبه تاجًا من ذهب، أما الحقيقة فلا تمنح تاجها إلا لمن استحقه.

والمؤرخ الحق لا يقف عند أبواب القصور منتظرًا ما يمليه الملوك، بل يسير بين أطلال المدن، ويقرأ النقوش كما يقرأ الكتب، ويُنصت إلى الصمت كما يُنصت إلى الخُطب، ويعلم أن الحقيقة لا تسكن صوتًا واحدًا، بل تتوزع بين الشهود، والوثائق، والآثار، وما تركه الزمن من شقوقٍ في جدران الروايات.

إن التاريخ ليس محكمةً يحكم فيها المنتصر، بل بحرٌ عميق؛ قد تطفو على سطحه سفنُ الأقوياء، أما اللآلئ فلا توجد إلا في القاع، ولا يصل إليها إلا من امتلك شجاعة الغوص، وهو ليس مرآةً تعكس وجه المنتصر وحده، بل شمسٌ إذا أشرقت كشفت الوجوه جميعًا، فلم تُبقِ قناعًا على وجه كاذب، ولا ظلمًا مستورًا خلف راية النصر.

لذلك فإن المقولة الشهيرة: "التاريخ يكتبه المنتصرون" ليست إلا نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة قد يكون أخطر من الكذب الكامل؛ لأنه يُشبه المرآة المكسورة، تُريك جزءًا من الصورة، وتُخفي باقيها.

 فالمنتصر قد يكتب السطور الأولى لكنه لا يملك أن يمنع الزمن من كتابة السطور الأخيرة، ولا يستطيع أن يُخرس الوثائق، أو يُسكت الآثار، أو يمنع الأجيال من إعادة القراءة بعينٍ أقل انحيازًا وأكثر إنصافًا.

وما أعجب التاريخ! فهو القاضي الذي لا يتعجل أحكامه، والشاهد الذي لا يموت، والكتاب الذي لا تنتهي فصوله، قد يُؤجل كلمته، لكنه لا ينساها، وقد يصمت قرنًا، ثم يتكلم فيُسقط عروشًا شُيِّدت فوق الزيف، ويرفع أسماءً حاول الظالمون محوها من الذاكرة.

إن الأمم التي تكتفي برواية المنتصر، تُشبه مسافرًا يسير بعينٍ واحدة؛ يرى نصف الطريق، ويعجز عن رؤية الهاوية التي تنتظره. أما الأمة التي تُفتش عن الحقيقة، ولو كانت مُرّة، فهي وحدها القادرة على صناعة مستقبلٍ لا يكرر أخطاء الماضي.

وفي النهاية...
 قد ينتصر الإنسان في معركةٍ بالسلاح، وقد ينتصر في أخرى بالسلطة، لكنه لن ينتصر على الحقيقة أبدًا، فالحقيقة لا تُهزم وإنما تُؤجَّل، والتاريخ لا يخلّد الأقوى، بل يخلّد الأصدق.

 ولذلك
 فإن السؤال ليس: من كتب التاريخ؟
 بل: من امتلك الشجاعة ليقرأ ما كُتب بعينٍ لا تخشى الحقيقة؟

بقلم: زهراء عبده

إرسال تعليق

أحدث أقدم