أيها القريب... البعيد...
أتدري؟
لا أدري كيف غلبني النعاس تلك الليلة...
كل ما أذكره أنني أغلقتُ نافذتي، وتركتُ فستاني الأسود فوق المقعد، ثم أسندتُ رأسي للحظة...
ولما فتحتُ عيني...
وجدتُني في قاعةٍ عتيقة، تفيض بالموسيقى، ويختبئ الناس فيها خلف أقنعةٍ جميلة.
لم أعرف أحدًا...
إلا أنت.
كنتَ تقف في آخر القاعة، وكأن الضجيج كله يدور حولك ولا يعنيك.
يدٌ في جيب معطفك، والأخرى تحمل كأسًا لم ترتشف منه.
فقلتُ في نفسي:
لا بد أن هذا الرجل قد تشاجر مع الموسيقى قبل أن يأتي.
اقتربتُ منك.
وقفتُ إلى جوارك.
وسألتك:
"هل أغضبتك الموسيقى؟"
أجبتَ دون أن تنظر إليَّ:
"لا."
ابتسمتُ.
"إذن لماذا تعاقبها بكل هذا التجاهل؟"
التفتَّ إليَّ أخيرًا.
كانت عيناك هادئتين على نحوٍ مستفز.
قلتَ:
"أنتِ لا تعرفينني."
ضحكتُ بخفة.
"الحمد لله."
عقدتَ حاجبيك.
"وتحمدين الله على ماذا؟"
"لأن التعارف أجمل من المعرفة... المعرفة تُشبع الفضول، أما التعارف فيترك للقلب متعة الاكتشاف."
ظللتَ تنظر إليَّ لحظة.
ثم قلتَ:
"يبدو أنكِ لا تملّين من الكلام."
رفعتُ كتفيَّ في براءة.
"ويبدو أنك بخيلٌ به... حتى إن كلماتك تمشي على أطراف أصابعها."
لأول مرة...
رأيتُ زاوية فمك تتحرك.
قلتَ:
"أنا لا أحتاج أحدًا."
مددتُ يدي إليك.
"ولا أنا..."
نظرتَ إلى يدي، ثم إليَّ.
"إذن لماذا هذه الرقصة؟"
ابتسمتُ وكأن السؤال أسعدني.
"لأنني أحب التجارب التي يخافها الآخرون."
سألتَ بهدوء:
"وهل أنا منها؟"
ضحكتُ.
ثم نظرتُ إليك من طرف عيني.
"لا... أنت فقط رجلٌ يحرس وقاره أكثر مما ينبغي."
ولأول مرة...
ابتسمت.
ابتسامةً صغيرة...
كأنها أفلتت منك على غير إرادة.
أشرتُ إليها فورًا.
"ها هي."
عادت ملامحك إلى هدوئها.
"ما هي؟"
"ابتسامتك..."
ثم همستُ بمشاكسة:
"كنتُ أخشى أن تكون مجرد إشاعة."
هذه المرة...
ضحكتَ.
ضحكةً قصيرة.
لكنها كانت كافية لأن ينتصر وجهك على بروده.
مددتُ يدي مرةً أخرى.
"والآن..."
نظرتُ إليك بعينين امتلأتا بالمشاكسة.
"بعد أن ضحكت... لم يعد يليق بك أن ترفض الرقصة."
ظللتَ تنظر إليَّ بضع ثوانٍ.
ثم وضعتَ كأسك جانبًا.
وأمسكتَ يدي.
وقلتَ، وأنت تهز رأسك في استسلامٍ خفيف:
"يبدو... أننا سنُرهق بعضنا."
بسمة جمعة القاضي