تحمل الكتابة في طياتها عوالم لا تُرى إلا بعين المبدع، وتمنح أصحابها فرصةً لترك أثرٍ يبقى في ذاكرة القراء. وفي لقاء اليوم، نفتح نافذةً على تجربة أدبية مميزة مع الكاتبة راضية خنوفي، لنتعرف على ملامح رحلتها، وشغفها بالكتابة، وأفكارها التي تنعكس بين سطور أعمالها. ندعوكم لمرافقتنا في هذا الحوار، الذي يكشف جانبًا من عالمها الإبداعي والإنساني.
حوار مع الكاتبة راضية خنوفي : صوتٌ ينبعث من الرماد
1/ عرّفينا بنفسك وبمسيرتك الأدبية.
أنا راضية خنوفي، كاتبة من الجزائر - ولاية سكيكدة. أبلغ من العمر 22 عامًا. خريجة الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر بقسنطينة، تخصص مكتبات ومعلومات.
2/ كيف تفضلين أن يُعرّفك القراء: كاتبة، روائية، أم شيء آخر؟
أفضل أن يُعرّفني القراء بـ "الصوت". أنا صوت من لم يستطع الكلام، وصوت النساء اللواتي كُتب تاريخهن بالرماد والصمت.
3/ كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟
كانت بدايتي في سن الرابعة عشر. بدأت بكتابة الخواطر، أفرغ فيها ما يعتمل في داخلي وأسكبه على الورق.
4/ ما أول عمل نشرته؟
كان أول ما نشرته مجموعة من الخواطر ضمن إصدارات جامعة. ثم أصدرت كتابي الأول "بل نور"، وهو قصة حقيقية تحكي تجربتي واختباراتي مع امتحان مصيري في حياتي.
5/ ما الذي ألهمك لتصبحي كاتبة؟
ألهمني صمت النساء في منطقتي. حيث لا يوجد كتّاب، وحيث لا يُسمح للمرأة بأن تتكلم. فقررت أن أكون أنا المتحدثة باسم هذا الصمت.
6/ من أين تستوحين أفكار أعمالك؟
أستوحيها من الواقع المعاش، ومن القصص القديمة والأساطير التي تناقلتها الأجيال.
7/ كيف تختارين عناوين كتبك ورواياتك؟
أختار العنوان من صلب الرواية ذاتها. يجب أن يشعر القارئ به حين يقرأه، وأن يلمس فيه نبض النص.
8/ هل تفضلين التخطيط قبل الكتابة أم تتركين الأحداث تقودك؟
أضع الهيكل العام للرواية، ثم أترك الأحداث تقودني، لأكتب شيئًا يصدم القارئ ويهزه من الداخل.
9/ ما الشخصية الأقرب إلى قلبك من أعمالك؟
خلال الفترة الأخيرة كتبت ثلاث روايات مختلفة الطابع:
الأولى "رماد القدس"، وتحكي عن فتاة من زمن التحرير بفلسطين يعود بها الزمن إلى الحاضر، فتلتقي بشخص تظنه ابن بلدها، ليتبين أنه ابن "العقيد أفيحاي". وأقرب شخصية إليّ فيها هي "ليئور" أخت البطل رافائيل.
الثانية "مدينة العقلاء لا يسكنها الضعفاء"، ذات طابع رومانسي. تدور حول فتاة حاولت الانتحار مرارًا، فيرفضها الموت في كل مرة ويلقي بها في مدينة لا تعرف الرحمة ولا الحب، ويُعد الحب فيها جريمة. لتكتشف أن مؤسس المدينة هو من رفضت حبه في الماضي، فيبدأ صراعها بين رغبتها الجديدة في البقاء وتحديها للموت. وأقرب شخصية إليّ فيها هو "آرون" بطل الرواية.
الثالثة "هيماتا: ملكة الدم"، وتدور أحداثها في زمن قديم قبل استعمار فرنسا للجزائر. تُقتل قبيلة الفتاة بأكملها على يد المغول المتنكرين في زي السلاجقة، فتنجو هي وستة أشخاص فقط. فتقسم قسم النار ألا يدخل أرضها سلجوقي، وأن كل من يطأ أرضها يُقتل وتُعلق جمجمته. فتبني بوابة من جماجم أعدائها، إلى أن يأتيها جاسوس متنكر ليعرف قصة هذه المرأة التي باتت تشكل خطرًا على جيشه. وهي رواية مشوقة جدًا، ولم تُنشر بعد. وأقرب شخصية إليّ فيها هي "تينهينان" بطلة الرواية.
10/ ما أصعب مشهد كتبته؟
أصعب مشهد كتبته كان مشهد موت "ليئور" أخت البطل في رواية "رماد القدس".
11/ هل سبق أن واجهتِ فترة فقدتِ فيها الشغف بالكتابة؟ وكيف تجاوزتِها؟
نعم، واجهت ذلك خصوصًا في فترة الجامعة والإقامة الجامعية، حيث كنت أدخل في حالة اكتئاب وأفقد شغفي. وكنت أتجاوز ذلك باللجوء إلى القراءة المكثفة ومشاهدة الأفلام، لأستعيد حماسي للكتابة.
12/ كيف تتعاملين مع النقد، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا؟
أتقبل النقد مهما كان نوعه. أؤمن أن البشر يختلفون وأن لكل منا وجهة نظره. أضع النقد الإيجابي في القلب كزاد، وأضع النقد السلبي على الطاولة وأسأله: "هل سيجعلني هذا أقوى في القادم؟" فإن كانت الإجابة نعم، أخذت به.
13/ ما أكثر تعليق من قارئ أثّر فيكِ؟
تأثرت بعدة تعليقات وصلتني من القراء:
منهم من قال: " أحسنتِ وفقك الله واصلي عملك ولا تتوقفي مهما حدث".
ومنهم من تفاعل مع اقتباساتي من روايتي "رماد القدس" و"مدينة العقلاء لا يسكنها الضعفاء" وطلب قراءة أعمالي.
ومنهم من وصف أسلوبي بـ "مبدعة من أول السطور" وتأثر بإهداء روايتي إلى فلسطين.
كل هذه الكلمات كانت دافعًا لي لأواصل الكتابة وأكسر الصمت.
14/ هل لديكِ طقوس معينة أثناء الكتابة؟
نعم. أكتب في الليل والناس نيام. وأحرص على أن أشعر بكل لحظة أكتبها وأن أعيشها بكل جوارحي.
15/ ما أكثر عمل تعتزّين به حتى الآن؟
أعتز برواية "رماد القدس"، لأنها صرخة وصوت قضية كاملة.
16/ إذا تحوّلت إحدى رواياتك إلى فيلم، فأيها ستختارين؟
سأختار "هيماتا ملكة الدم"، لأنها أسطورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
17/ ما النصيحة التي تقدمينها لكل من يحلم بأن يصبح كاتبًا؟
لا تكتب لترضي الآخرين. اكتب لأنك إن لم تكتب ستموت مخنوقًا. واكتب عن الشيء الذي تخاف أن تكتبه.
18/ ما المشروع الأدبي الذي تعملين عليه حاليًا؟
أعمل حاليًا على مشروع "قصص مصورة أدبية" و "ويبتون عربي".
19/ ما حلمك الذي لم تحققيه بعد في المجال الأدبي؟
حلمي أن تصبح رواياتي عالمية، وأن تُترجم إلى لغات العالم.
20/ وفي الختام، ما الرسالة التي تودين توجيهها لقرائك ومحبي أعمالك؟
اقرأوا. فنحن أمة "اقرأ". ولا تنسوا أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم... أحيانًا يكتبه من نجا من المذبحة.
اقرأوا حتى لا نموت مرتين.
وبهذا نصل إلى ختام لقائنا مع الكاتبة راضية خنوفي، التي منحتنا فرصة للتعرف على تجربتها الأدبية ورؤيتها للكتابة بكل صدق وشفافية. نتوجه إليها بجزيل الشكر على هذا الحوار الثري، ونتمنى لها دوام النجاح والتألق، وأن تستمر في إثراء الساحة الأدبية بأعمال تلامس القلوب والعقول. كما نشكر قراءنا الأعزاء على حسن المتابعة، ونلقاكم قريبًا في حوار جديد مع قلمٍ يحمل تجربة تستحق أن تُروى.