أفقٌ يشقّ الصمت بلا إعلان!
كأن الزمن نفسه انفجر فجأة، وأعمدة من الأحداث تنهال علىٰ الروح بلا مقدمات، تصدم القلب وتثير العقل؛ فتتساءل:
ماذا يحدث؟
ولماذا كل هذا الاضطراب الذي يلتهم صمت الكون؟
هل يمكن أن يمر الإنسان بلا أن يرىٰ ما يحيط به، حتى يدرك فجأة أن كل شيء يتداعىٰ أمامه؟
كل لحظة تمضيّ كأنها صاعقة، وكل صورة تلوح في الذهن كرمز لشيء أكبر لم يُكشف بعد، وكأن العالم كله ينتظر أن نعي ما خفي طويلًا.
ثم يظهر الماضي مشرقًا،
يلوح كنور الشمس بعد غيبوبة طويلة؛ ليكشف عن إرثٍ عظيم.
قد كان العرب فيّ أزهىٰ عصورهم،
شعلة تنير الدروب،
وأمة تبنيّ الحضارة فوق صخور الصحراء،
وتزرع العلم والعدل في كل قلب.
في مكة والمدينة ارتفعت الدعوة؛ فهزت الجهل وأيقظت النفوس، الكلمة نور، والإيمان سلاح، والعدل تاج على الرؤوس.
وفيّ بدر وأحد والخندق، تجلّت شجاعة العرب وإيمانهم، فكانت المعارك مدرسة للتضحيات والوفاء، ودرعًا للمستضعفين.
في بغداد
دار الحكمة اجتمع العقل بالروح، وصاغ الفارابي وابن سينا وجابر بن حيان جسورًا من المعرفة تمتد بين الأرض والسماء؛ فأضاءت كتبهم العالم وامتد أثرهم ليصل أوروبا، ناشرًا نور العقل والفكر.
وفي قرطبة الأندلس العربية، تجلت روعة العرب في العمران والفكر، حيث المكتبات منارات للعلم، والمدارس أرست قواعد الحرية والعدل، وبرزت الحضارة العربية في أبهى صورها.
أما القاهرة فيّ عهد صلاح الدين، فقد رفعت رايات العزة والشجاعة والعدل، وصوت الفخر العربي والإسلامي أعلو علىٰ أصوات الطغيان، مثبتًا أن المجد لا يُنسىٰ وأن الإرادة أقوى من أي قوة تعتدي.
في دمشق،
عرفت الحضارة الإسلامية أبهىٰ أوقاتها، وامتدت الأمصار من الشام إلىٰ المغرب، من مصر إلىٰ اليمن، ناشرةً العدل والعلم والفكر، فكانت أمة واحدة على قلب رجل واحد.
لكن اليوم،
ما الذي تبقىٰ من هذا المجد؟
غـ.زة تتساقط فوقها القذائف، دماؤها تشهد على براءة الأطفال، وأصوات بكائهم تمزّق الصمت، فكيف يستمر العالم في تجاهل ذلك؟
السودان يحترق بين صراعات لا تنتهيّ، شعب يسعىٰ للبقاء في ظل الخراب، وعيونه تترقب غدًا لم يأت بعد، ألم يحن الوقت لتنتبه له البشرية؟
العراق بين أطلال بغداد وصرخات الموصل، يحاول أن يلتقط أنفاسه بعد عقود من الحروب والدمار، وأرضه تنزف ذكريات المجد المفقود، فكيف لهذا الشعب أن ينساها؟
ليبيا ضائعة بين أطماع الداخل والخارج، دماؤها تروي الأرض، وسماءها تبكي على وطنه الممزق.
وسائر الدول العربية الأخرى!
كلٌّ منها يئن تحت وطأة الحروب، وكل قلب عربيّ ينزف معها، وكل روح تبحث عن ذاتها الضائعة وسط الصراعات والدمار.
أليس هذا ما يدعو للاستفهام؟
أليس هذا ما يحرك شعورنا بالغضب والاستنكار؟
ألم نكن أمة تبنيّ المجد، وتسطر أمجادها على صفحات التاريخ؟
أين ذهبت القوة، وأين الوحدة، وأين الكرامة؟
ولكن،
الألم وحده لا يكفيّ،
واللّٰهِ لا يكفيّ،
يتطلب العقل والفكر والإرادة.
فما علينا سِوىٰ أن نستعيد مجد العرب والإسلام، أن تعود القوة والكرامة، وأن تتحد القلوب والأراضي، لتكون الأمة واحدة في فكرها، إرادتها، وحلمها.
فلتكن أمثلة التاريخ حاضرًا أمامنا:
خلفاء بغداد،
علماء قرطبة،
صلاح الدين في القاهرة…
كل هؤلاء أضاءوا الطريق، ويجب أن نستلهم من إرادتهم وعزيمتهم دروس القوة والبناء.
لن نستسلم للضعف،
ولن نرضى بالخذلان…
فكل ألم اليوم، وكل دمعة تُسكب على أرض العرب، فما هيّ دعوة إلا للاستيقاظ، وقوة للتغيير، وعزم علىٰ أن يعود العرب كما كانوا: أمة واحدة، قوة واحدة، حضارة تضيء الأرض من جديد.
ما بدا في البداية مشتتًا وغير واضح، صار وضوحًا صارخًا: ليس الحزن وحده ما يحركنا، بل إدراكنا العميق بأننا قادرون على استعادة ما فقدناه، وإحياء عزتنا، وكتابة تاريخ جديد لا يُمحىٰ.
كل دمعة سكبت علىٰ أرض العرب، وكل صرخة ألم،
وكل قلب ينزف من الحروب الحالية، هي صرخة للعقل قبل الروح، رسالة للتاريخ قبل الحاضر، دعوة للوعي قبل الفعل.
لا نحتاج إلىٰ حزن فحسب، بل إلىٰ إرادة تُشعل النار في القلب، ووعي يوجهنا نحو الوحدة، وفكر يصوغ المستقبل بعزيمة الأبطال الذين سبقونا.
ولن يكون المجد إلا إذا استنطقنا التاريخ؛ ففهمناه، واستفدنا من دروسه، وأحسسنا بأننا أمة واحدة، روح واحدة، إرادة واحدة، قادرة على مواجهة كل تحدٍ، على قلب كل أذى، وعلى بناء حضارة تضيء الأرض من جديد.
فلتكن هذه اللحظة، هذه الصرخة الصامتة، بداية صحوة، لا لنفسنا فقط، بل لكل عربي يحمل في قلبه إرث الأجداد، وكل مسلم يعي قيمة قوته ووحدته.
إن العودة للمجد ليست أمنية، بل مسؤولية، ليست حلمًا، بل واجب، ليس صدىٰ الماضي فقط، بل نور المستقبل الذي نصنعه اليوم، بوعيٍ وإرادةٍ وشجاعة.
وفي خضم كل الألم،
وفي قلب كل صراع،
تكمن الحقيقة الأبدية: المجد يولد من رحم العزيمة، القوة تأتي من الوحدة، والعزة الحقيقية تُبنى من فهمنا لماضينا، وإرادتنا لبناء حاضرنا ومستقبلنا.
فَاطِمَةُ_الزَّهْرَاءِ_عَبْدُهُ_حِبيشِيّ.𓂀