الشيخ محمد صديق المنشاوي... الصوت الذي بقي بعد الصمت

 مجلة قعدة مُبدعين 



" الشيخ محمد صديق المنشاوي... الصوت الذي بقي بعد الصمت

هناك أصوات نسمعها، ثم ينتهي أثرها بانتهاء الكلمات، وهناك أصوات لا تغادر القلب أبدًا. ومن بين تلك الأصوات يظل صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي حاضرًا، كأنه يقرأ القرآن للمرة الأولى في كل مرة نستمع إليه.

لم يكن المنشاوي صاحب صوت جميل فحسب، بل كان صاحب قلبٍ يقرأ قبل أن يقرأ لسانه. فإذا تلا آيةً عن الرحمة شعرت بها، وإذا مرّ بآيةٍ عن العذاب ارتجف قلبك قبل أذنك، وكأن القرآن نزل في تلك اللحظة.

نشأ الشيخ محمد صديق المنشاوي في بيتٍ عُرف بحفظ القرآن الكريم وتلاوته، فشبّ محبًا لكتاب الله، وجعل منه رفيقًا لعمره كله. ولم يكن يسعى إلى شهرة أو مكانة، بل كان همه أن يصل كلام الله إلى القلوب كما أنزل.

ولعل أكثر ما ميّز تلاوته أنها لم تكن تعتمد على قوة الصوت، بل على صدق الإحساس. لذلك لم يحتج إلى ألحانٍ متكلفة أو أداءٍ مبالغ فيه، فقد كان الخشوع وحده كافيًا ليصنع مدرسةً كاملة في التلاوة.

ورغم أن المرض أثقل جسده في سنواته الأخيرة، بقي القرآن رفيق أيامه، وظل صوته شاهدًا على حياةٍ أفناها في خدمة كتاب الله. فرحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت التلاوات تُتلى في المساجد والبيوت، وكأن الزمن لم يستطع أن يمحو ذلك النور.

نحن لا نستمع إلى المنشاوي لأنه يقرأ القرآن بصوتٍ جميل، بل لأننا نشعر أن صوته يحمل الطمأنينة. فمن بين كل الأصوات، يبقى صوته أقربها إلى القلب، يعلّمنا أن التلاوة ليست جمالًا في النبرة، بل إخلاصًا في العبادة، وأن أعذب الأصوات هي تلك التي تخرج من قلبٍ امتلأ بكلام الله.

ولعل هذا هو السر الذي جعل الشيخ محمد صديق المنشاوي خالدًا في ذاكرة المسلمين؛ فالصوت قد يسكت، أما الإخلاص فلا يموت.


بقلم: الكاتبةولاء البدري ✍️

كاتبة_ليلو

إرسال تعليق

أحدث أقدم