مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة فاطمة حمزة
وضعت اللبنة الأولى لبنايتها منذ وقت قريب ثم بدأت في الإنشاء ، حيث غمرتها السعادة حينما رأتها بعينيها وهي تكتمل طابقاً تلو الآخر ، لم تتعجَّل الوصول للطابق العلوي ، كانت تراقب كل شيء بدقة ، تتأكد من إتمام كل الأمور كما يجب ، وحينما سرى بداخلها اليقين بأن الأساسيات قد صارت ثابتة كما تريد ، انطلقت في إنشاء بقية الطوابق بشيء من الثقة ، لم تتوانَ عن العمل حينما أخبرها الجميع ببراعة هذا المعمار الذي أفنت عمرها فيه ، لقد سكنه البعض بالفعل واستقرت السعادة بأنفسهم وهذا ما كانت تطمح إليه أنْ تمنح الجميع الطمأنينة اللازمة للحياة ، وقد صدر لها أول إصدار عام ٢٠٢١ والذي حمَل عنوان ( حلقة مُفرَغة ) وتلاه ( عمارة حي المعادي ) الذي صدر عام ٢٠٢٣ ، ( مرآة ودلو وممسحتان ) الذي صدر عام ٢٠٢٤ ، ( بلال البداية والنهاية ) الذي صدر في نفس العام ، كما نُشرت لها العديد من القصص إلكترونياً على العديد من المواقع والمنصات الشهيرة ، وهي الكاتبة المبدعة " فاطمة حمزة " التي نسعد بها اليوم في رحاب مجلتنا ( قعدة مُبدعين ) التي تسلِّط الضوء على كل ذي موهبة يرغب في التغيير وترك بصمته في قلب كل قارئ ، إليكم الحوار.
1.في البداية، ما سر ولعكِ بالكتابة ؟
في البداية، وجدت في نفسي رغبة في ترجمة ما بداخلي من مشاعر وصراعات إلى كلمات أحتفظ بها، ثم تجاوز الأمر حدود الذات، وأصبح اهتمامي منصباً على الآخرين أيضًا، ومع الوقت أدركت أن الغوص في أعماق الآخر، وفهم دوافعه وهواجسه وأحلامه، هو أحد أسمى أشكال النضج والبلوغ الأدبي.
2.لمَ انحزتِ لكتابة الروايات ، وهل كان لأحد الفضل في اتجاهكِ للكتابة، هل هناك تاريخ أدبي في عائلتك أم أنكِ الموهبة الأولى في هذا المجال ؟
رغبتي في التعبير عن مشاعري وأفكاري وآرائي هي ما دفعتني إلى الكتابة عمومًا ، أما انحيازي إلى الرواية والقصة، فيرجع إلى أنني لا أميل إلى الكتابات الجافة التي تعتمد على تقديم المعلومة بصورة مباشرة وصريحة، أحب أنْ أكتشف المعنى بنفسي بين السطور، وأنْ أصل إليه من خلال قراءة الشخصيات وفهم دوافعها وصراعاتها، لذلك وجدت نفسي أقرب إلى السرد الروائي منه إلى غيره من أشكال الكتابة ،
أما عن الفضل في توجيهي نحو الكتابة، فأُدين بالكثير لأمي، رحمها الله، فهي أول مَنْ كتبت عنها ولها، وكانت مصدرًا مهمًا من مصادر إلهامي ،
وبالنسبة إلى التاريخ الأدبي في العائلة، فأنا لستُ الأولى في هذا المجال؛ فوالدي، الشاعر محمد فوزي حمزة، له عدة إصدارات عن مكتبة الآداب، كما أن شقيقتي الصحفية مروة حمزة لها إصدارات روائية أيضًا، وهو ما جعل الأدب حاضرًا في محيطي منذ وقت مبكِّر.
3.هل وجدتِ الدعم الكافي في بداية الطريق ومَنْ أول داعم لكِ ؟ وكيف كان وَقعه عليكِ؟
في بداية الطريق لم تكُنْ المشكلة في الكتابة نفسها بقدْر ما كانت في إيجاد فرصة للنشر؛ فالبحث عن دار نشر تقبَل بكاتبة مبتدئة لم يكُنْ أمرًا سهلًا ، أما اليوم، فقد تغيَّرت طبيعة التحديات، وأصبح الهم الأكبر هو الوصول إلى القرّاء وتحقيق الانتشار وبناء قاعدة حقيقية من المتابعين لأعمالي ،
أما عن الدعم، فقد كان زوجي وأسرتي هُم الداعم الأول والأهم في رحلتي ، حيث كان لإيمانهم بما أكتب وتشجيعهم المستمر أثرٌ كبير في منحي الثقة للاستمرار.
4.في نظركِ هل تغيَّر الأدب اليوم عن سابق عهده وأي الزمنين تفضِّلين ؟
تغيّر الأدب مصطلح واسع يصعُب إطلاقه على نحو عام، لكن إذا تحدثنا عن الرواية تحديدًا، فأعتقد أن هناك تحولات واضحة فرضتها طبيعة العصر ، فقد أصبح الإيقاع أسرع، وأصبحت الروايات الطويلة تجد صعوبة أكبر في العثور على القارئ الصبور الذي يمنحها الوقت الكافي ، كما أن الشكل الروائي التقليدي، الذي يقوم على التعمُّق في الشخصيات وبناء العوالم والأفكار تدريجيًا، لم يعُد حاضرًا بالقدر نفسه، في مقابل انتشار الرواية ذات الطابع التجاري التي تعتمد على كثافة الأحداث وتسارعها بهدف الحفاظ على انتباه القارئ
ومع ذلك، لا أرى أن الأدب القديم كان أفضل مطلقًا أو أن الأدب المعاصر أسوأ بالضرورة؛ فلكل زمن خصوصيته وأدواته، لكني أميل إلى الروايات التي تمنح مساحة أكبر للتأمُّل، وتعنى ببناء الشخصيات والأفكار بقدْر عنايتها بالأحداث.
5.هل تطَّلعين على كتابات اليوم أم تفضِّلين كتابات الماضي ؟
بالطبع أحرص على الاطلاع على كتابات اليوم، فهي تكشف لي ما يطرأ على عالم الرواية والقصة القصيرة من تطورات فنية وأفكار جديدة ومتجددة. كما أن هناك أقلامًا معاصرة جيدة، بل ومتميزة أحيانًا، أستمتع بقراءتها ومتابعة تجاربها ،
أما كتابات الماضي، فهي التي أسهَمت في تكوين ذائقتي الأدبية، ومنحتني قدرًا كبيرًا من الثراء اللغوي والفني، كما رسّخت داخلي حب الأدب والقراءة لذلك لا أرى تعارضًا بينهما.
6.ما الشعور الذي انتابكِ وقتما حمَلت أول إصدار بين قبضة يديكِ ؟
كان شعورًا عظيمًا يصعُب وصفه بالكلمات أنْ أُمسك بين يدي كتابًا يحمِل شخصيات نسجتها من خيالي، ومنحتها حياة كاملة، ورافقتها في رحلتها بين الصعوبات والتحولات حتى بلغت ذروة أحداثها، ثم تركت لها مساحة لتقودني هي إلى نهاياتها، كان أمرًا مدهشًا ومؤثرًا.
7.هل تشعرين أنك وضعتِ أرجلك على الطريق السليم أم أن الكتابة لم تعُد تُجدي نفعًا؟
النفع الحقيقي الذي أبحث عنه في الكتابة هو ذلك الشعور بالإشباع الداخلي، وإلى الآن ما زالت الكتابة تحقِّق لي هذا الغرض.
فعندما تتراكم الأعباء النفسية أو الأفكار داخلي، أجد في الكتابة وسيلتي لفهمها والتخفُّف منها، وكأنها مساحة للحوار مع الذات وإعادة ترتيب العالم من حولي.
لذلك أرى أن قدرتي على الاستمرار في الكتابة، وشعوري بأنها ما زالت تمنحني هذا الأثر، دليل على أنني أسير في الطريق الصحيح ، أما النجاح المادي والجوائز الأدبية فهي أمور مهمة ومحببة بلا شك، لكنها تظل بالنسبة لي نتائج محتملة، وليست الهدف الأساسي من الكتابة.
8.هل تسعين وراء الشهرة من خلال الكتابة ، وهل ترغبين في جني المال أم أنكِ تهدفين لأمور أخرى؟
بالطبع، لا أرفض الشهرة أو النجاح المادي إذا جاءا نتيجة عمل جاد ومخلص، فهما أمران يسعدان أي كاتب، لكنهما ليسا الهدف الذي أكتب من أجله ، ما أسعى إليه حقًا هو أن أكتب أعمالًا صادقة وقادرة على الوصول إلى القارئ وترك أثر فيه، لأن هذا بالنسبة لي هو النجاح الأهم والأبقى.
9.ما الأجواء اللازمة للكتابة بالنسبة إليكِ ، هل تُجيدين الكتابة في هدوء أم وسط الصخب ؟ وما رأي أبنائك فيما تكتبين ، هل يطَّلع أحدٌ منهم عليه ؟
لا ألتزم بوقت محدَّد للكتابة، لأني لا أتعامل معها كواجب أو مهمة يجب إنجازها في موعد معين ، الكتابة تأتي إليّ في الوقت الذي تشاء، وأفضّل أنْ أستجيب لها عندما أشعر بأن لديّ ما يستحق أن يُكتب، لذلك لا أُجبر نفسي عليها إذا غاب الدافع أو الإلهام ،
أما عن أبنائي، فابنتي هي الأقرب إلى المجال الأدبي؛ فهي تعمل في الترجمة ولها عدة إصدارات في هذا المجال، ولذلك أحرص على إطلاعها على أعمالي والاستماع إلى رأيها وملاحظاتها، وأقدّر كثيرًا نظرتها النقدية، لأنها تأتي من شخص يجمَع بين القرب مني والاهتمام الحقيقي بالأدب والكتابة.
10.هل تعرضين نصوصكِ على أحد قبل النشر النهائي أم أنك تكتفين بقناعتكِ الشخصية فيما خطَّه قلمكِ ؟
لا أكتفي بقناعتي الشخصية وحدها، مهما كنت مؤمنة بالنص ، ففيما يخُص القصص والنصوص القصيرة، أحيانًا أشاركها مع قرّاء صفحتي وأستفيد من انطباعاتهم وتفاعلهم معها ،
أما الروايات، فأتعامل معها بقدْر أكبر من الحذر والاهتمام، لذلك أحرص على عرضها على قرّاء موثوقين ونقاد يملِكون خبرة في القراءة والتحليل، وأتعامل مع ملاحظاتهم بجدية قبل اتخاذ قرار النشر ، أؤمن أن الكاتب قد يغفل عن بعض نقاط الضُعف في عمله بحكم قربه الشديد منه، لذلك تبقى القراءة النقدية الواعية خُطوة مهمة في تطوير النص والوصول به إلى أفضل صورة ممكنة.
11.هل سبق لكِ وأجريت بعض التعديلات كُرهًا فرضتها عليك دار النشر أو بعض الشخوص ؟
أحيانًا يكون لدار النشر رأي في بعض تفاصيل العمل، خصوصًا إذا كان موجّهًا لليافعين، حيث تكون هناك اعتبارات خاصة تتعلَّق باللغة أو مستوى الطرح أو ملاءمة المحتوى للفئة العمرية ،
فأتعامل مع هذه الملاحظات بقدْر من المرونة، طالما أنها لا تمسّ البِنية الأساسية للعمل أو تغيِّر من فكرته أو أهدافه العامة. فالتعديلات التي تهدف إلى تحسين النص أو ضبطه تتكامل مع دور الكاتب ولا تنتقص منه، ما دامت تحافظ على روح العمل كما كتبها في الأصل.
12.ما ذائقتكِ الأدبية؟
تميل ذائقتي الأدبية إلى الأعمال ذات الطابع الاجتماعي، تلك التي تقترب من الإنسان في تفاصيله اليومية، وتناقش قضاياه النفسية والاجتماعية بصِدق وعمق.
13.ما النصيحة التي تودين إسداءها لمَنْ ما زالوا في بداية الطريق ؟
أنصح كل مَنْ يبدأ طريقه في الكتابة بالقراءة المستمرة، فهي الأساس الحقيقي لتكوين الكاتب وصَقْل أدواته. كما أن الصبر مهم جدًا في هذه المرحلة، وعدم التعجل على نشر الأعمال الأولى، لأن الكتابة تحتاج إلى نضج وتجربة ووعي يتراكم مع الوقت.
14.هل تحرصين على حضور فعاليات معرض الكتاب وما الشعور الذي ينتابكِ في تلك الأثناء ؟
بالتأكيد أحرص على زيارة معرض الكتاب كل عام، وأعتبره حدثًا ثقافيًا مهمًا لا أود تفويته. كما أحرص على اصطحاب أبنائي إليه منذ طفولتهم، ليكون جزءًا من تكوينهم الثقافي منذ الصغر ، أما عن الشعور الذي ينتابني هناك، فهو مزيج من البهجة والانتماء، وكأنني أشارك في عُرس ثقافي واسع يجمع الكُتّاب والقرّاء في مكان واحد، وننتظره بشغف كل عام لما يحمِله من طاقة خاصة وحضور مميَّز للكتاب والقراءة.
15.هل تعكِس الكتابة جانباً من شخصيتك أم أنها بعيدة كل البُعد عنكِ ؟ وهل تفضِّلين الكتابات الواقعية أم الخيالية ؟
تحمِل الكتابة لديّ جانبًا من شخصيتي بالضرورة، فالشخصيات التي أكتبها لا تنفصل عني تمامًا، بل تحمِل شيئًا من ملامحي وتجربتي ونظرتي إلى العالم، حتى وإنْ اختلفت في تفاصيلها ومساراتها.
أما من حيث اللون الأدبي، فأميل أكثر إلى الكتابات الواقعية التي تقترب من الحياة اليومية وتفاصيل الإنسان الحقيقية ومع ذلك، بدأت مؤخرًا في تجربة الكتابة التي تمزِج بين الواقعية والسحرية، أي ما يُعرف بالواقعية السحرية، حيث تتجاور تفاصيل الواقع مع لمسات غرائبية خفيفة تمنح النص بُعدًا مختلفًا دون أنْ تنفصل عن جذوره الإنسانية.
وفي نهاية هذا الحوار نود أنْ نشكر الكاتبة على حرصها على نقل الكلمات الناصحة الواعية للجمهور ورغبتها في ترك الأثر الذي يبغاه كل كاتب ، متمنين لها مسيرة مشرقة ودرب حافل بالإنجازات والتقدُّم.
إعداد الحوار: الكاتبة خلود أيمن .





