مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب محمود تادفي
في عالم الأدب، حيث تتلاقى الكلمات مع الأحاسيس وتنسج القصص عالمًا من الخيال والواقع، نجد أن بعض الكتاب لا يكتفون بمجرد كتابة الحروف، بل يبثون في أعمالهم نبضًا من الإبداع الذي يتسلل إلى قلوب قرائهم. اليوم، نحن على موعد مع أحد هؤلاء الكتاب الذين أثبتوا جدارتهم في صنع القصص التي تُحاكي الواقع وتُلهب الخيال. في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على رحلة الكاتب المبدع [ محمود تادفي ]، الذي قدم لنا العديد من الأعمال الأدبية التي شكلت نقطة فارقة في عالم الأدب. نلتقي به اليوم للحديث عن مشواره، مصدر إلهامه، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو الإبداع."
1_ لنبدأ بالتعرّف على بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلًا عن نفسك؟
اسمي محمود تادفي شاب سوريٌّ من مدينة حلب أبلغ من العمر عشرين عاماً، نتيجةً للظروف القاسية والحروب التي ألمّت ببلادي سوريا، والتي فرضت تعقيباً مؤقتاً لبعض خطواتي، ما زلتُ حتى اليوم أواصل طريقي في الصف الثالث الثانوي
2_ ما السبب الذي دفعك للكتابة؟
الدافع هو رغبتي في تحويل الأفكار العابرة التي تسكن مخيلتي إلى واقع ملموس يعيش على الورق. بدأتُ بنصوص بسيطة، ومع نضج تجربتي قبل عامين، شعرتُ أن القصص التي بداخلي كَبُرت وأصبحت بحاجة لمساحة أكبر، فكانت الرواية طريقتي لأصنع بصمتي الخاصة في هذا العالم.
3_ متي بدأت رحلتك في عالم الكتابة؟
بدأتُ رحلتي قبل نحو خمس سنوات، وتحديداً في سن الخامسة عشرة.
4_ وكيف أكتشفت موهبتك؟
اكتشفتُ هذا الشغف عندما لاحظتُ أن الأفكار العابرة في مخيلتي تصرّ على أن تُكتَب، فبدأتُ بصياغتها أولاً على شكل قصص قصيرة. ومع الوقت، أدركتُ أن الأمر أكبر من مجرد هواية، مما قادني قبل عامين لأخذ خطوة جادة والبدء في روايتي الكاملة الأولى.
5_ ما أبرز إنجازاتك الأدبية؟
بصفتي كاتباً روائياً، أرى أن إنجازاتي الحقيقية تتجسد في العوالم والقصص التي أبتكرها لتخاطب عقل القارئ وتثير شغفه بالبحث والتحليل.
* اولا رواية "جوسكا"
تُمثّل هذه الرواية الخطوة الأولى في مشروعي الروائي، وهي عمل درامي نفسي يغوص عميقاً في دهاليز النفس البشرية وتناقضاتها من خلال تناول "مرض الفصام". ترتكز الحبكة بالتحديد على ظاهرة "جوسكا" (التي تعني المونولوج الداخلي أو الحديث الوهمي المعقد مع الذات)، حيث يمتزج الواقع بالخيال في صراع ذهني مثير يضع القارئ في حيرة مستمرة.
* ثانياً رواية "عرش السراب"
عملي الروائي الثاني، ويأتي كجزء من سلسلة أدبية أعمل عليها بعنوان "الخطايا السبع المميتة". تنتمي الرواية إلى أدب الجريمة والغموض، وتدور فكرتها المثيرة حول شخصية غامضة تدّعي "تطهير" المجتمع؛ حيث تستهدف كل شخص يتصف بالتعالي أو من كان كبرياؤه عالياً، ممّا يفتح الباب أمام مطاردة جنائية وصراع فكري معقد حول حدود الغرور البشري.
* ثالثاً واخيراً رواية "بين أسنان الذئب"
رواية إثارة وتشويق قائمة على حبكة المجموعات المغلقة والألعاب النفسية القاتلة. تتناول قصة سبعة أشخاص يجمعهم قاسم مشترك وهو لعبة إلكترونية على الهواتف المحمولة تُدعى "عشرين الأرانب". وفي أول لقاء واقعي يجمعهم، تنقلب الأمور رأساً على عقب حيث يتم اختطافهم ونقلهم إلى مكان مجهول، لتتحول اللعبة الافتراضية البريئة إلى حقيقة مريرة؛ يعيش الجميع فيها دور "الأرانب" الضحايا، باستثناء "ذئب" متخفٍّ يعيش بينهم، ويكون على البقية كشف هذا الخائن والنجاة بأرواحهم قبل أن تلتهمهم أسنان الذئب.
6_ ما الرسالة التي تحرص علي إيصالها من خلال كتاباتك؟
أطمح من خلال كتاباتي إلى نزع الأقنعة عن الطبيعة البشرية وتقديم أدب يجمع بين التشويق والعمق النفسي. أعمالي تبحث دائماً في المناطق الرمادية بين الصواب والخطأ، بين الطهر والجريمة، وبين الثقة والخديعة. الرسالة الكامنة خلف حبري هي أن الوعي بذواتنا وبنقاط ضعفنا هو الخطوة الأولى للنجاة في هذا العالم، فأنا لا أكتب لأقدم إجابات جاهزة، بل لأطرح الأسئلة الذكية التي تحفز العقل وتكشف المستور.
7_ ما أهتماماتك بعيداً عن الكتابة؟
بجانب شغفي بالكلمات، تحركني الفنون بمختلف أشكالها، فأنا أعشق الرسم وأقضي الكثير من وقتي بين الألوان والخطوط لأترجم أفكاري بصرياً على الورق. كما أجد في عزف الغيتار مساحتي الخاصة لصناعة نغمات تشبه هدوئي، وبالتأكيد، تُشكّل القراءة رفيقتي الدائمة لتغذية خيالي وبشكل عام، تستهويني كل التفاصيل التي تحمل لمسة من الأناقة والجمال الراقية سواء في الفنون البصرية أو تفاصيل الحياة اليومية.
8_ من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟
لطالما كانت عائلتي هي الداعم الاول، لا يكتفون فقد بتشجيعي فحسب ، بل في بعض الاحيان تكون عائلتي واقاربي اول من يقرأ اعمالي، ولا انسى فضل اصدقائي منهم من دعموني ب الافكار والتحفيز والشغف ل اصل الى مستوى توقعاتهم.
9_ كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟
بالنسبة لي أرى أن العلاقة بين الكاتب والقارئ هي أشبه بجسر روحي سري، وليست مجرد معادلة بين صانع ومستهلك أنا أؤمن تماماً بأن الكتابة في جوهرها هي انعكاس نقي للروح الداخلية، وللعوالم والصراعات التي تولد في أعماقنا وتفرض نفسها على الورق. عندما أكتب، لا أضع أمامي خارطة لما "يتوقعه" أو "يطلبه" الجمهور، لأن النص الذي يُفصَّل على مقاس التوقعات يولد باهتاً ويفقد نبضه الصادق. القارئ ذكي جداً، ويستطيع بلمحة خاطفة أن يميز بين نص خرج من حرقة الروح، ونص كُتب بهدف استجداء التصفيق أو اللعب على المضمون.
لكن هذا لا يعني العزلة عن القراء، بل يعني احترامهم. احترامي للقارئ يكمن في أن أقدم له تجربة حقيقية وصادمة، تفاجئه وتأخذه إلى مناطق جديدة لم يكن يتوقعها، بدلاً من أن أعيد له تدوير ما يعرفه مسبقاً.
10_ هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟
الرضا التام بالنسبة لي ككاتب قد يعني التوقف عن التطور. أنا راضٍ عما قدمته حتى الآن كخطوات أولى صلبة، لكنني أشعر دائمًا بشغف ورغبة عارمة لتقديم المزيد، وتطوير أدواتي الأدبية، واستكشاف عوالم روائية أعمق في أعمالي القادمة.
11_ هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟
لا أظن أن الإبداع مشروط بالمعاناة، وفكرة أن الكاتب يجب أن يعيش صراعاً داخلياً ليتفوق هي مجرد صورة نمطية لا تشبهني. بالنسبة لي، الكتابة هي متعة ومغامرة ممتعة الأفكار القوية والمميزة تولد من شرارة عفوية، من فكرة ذكية تلمع في المخيلة فجأة لتشعل الحماس الإبداع الحقيقي يأتي من الشغف والحرية في ابتكار العوالم، وليس من الألم.
12_ ما الشخصية الأدبية التي تمنيت لو كنت أنت من كتبها؟
لو كان لي أن أختار شخصية أدبية تمنيت لو كتبتها، لاخترت بلا تردد شخصية (اللورد فولديمورت ) من سلسلة هاري بوتر، ليس لكونه شريراً فحسب، بل لأنه تجسيد للذكاء المخادع الذي لا يكتفي بالقوة، بل يسعى لامتلاك 'الخلود' كفكرة فلسفية.
ما يستهويني في هذه الشخصية هو العمق النفسي المخيف، فهو ليس مجرد شرير تقليدي، بل هو محرك للأحداث، شخصية تلاعبت بالنفوس والزمن وأجبرت الجميع على اتخاذ قرارات صعبة. بصفتي كاتباً أجد أن كتابة شخصية مخادعة تتطلب مهارة هندسية دقيقة، كيف تبني منطقاً للشر يبدو في نظر صاحبه حقاً مطلقاً؟ وكيف تجعل القارئ يرتعد من الشخصية وفي الوقت ذاته يتوق لمعرفة خطوتها التالية؟ هذا التوازن بين الغموض والمخادعة والقدرة على التحكم في مصائر الآخرين، هو التحدي الأدبي الأكبر الذي يستهويني.
13_ من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟
الأدب يمتلك سلطة ناعمة وقدرة هائلة على التغيير، لأنه لا يخاطب العقول فقط، بل يمس الوجدان. كم من رواية أو قصيدة غيرت قوانين، أو أشعلت ثورات، أو صححت مسار وعي جمعي! الأدب يطرح الأسئلة الصعبة، ويسلط الضوء على المسكوت عنه، ويزرع بذور الشك في المفاهيم السائدة. هو لا يغير المجتمع بشكل لحظي أو ميكانيكي، بل يغير الفرد، وتغيير الفرد هو اللبنة الأولى لتغيير المجتمع على المدى الطويل.
14_ هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟
بالتأكيد، هناك العديد من الكُتّاب الذين ألهموني في بداية مشواري، وعلى رأسهم الروائي أسامة المسلم. ما جذبني في أسلوبه وأساليب الكُتّاب الآخرين هو القدرة العالية على بناء عوالم مشوقة وإيقاع سريع يشد القارئ من السطور الأولى. التأثير الأكبر لهم في أسلوبي لم يكن بالتقليد، بل في تعلّم 'صنعة التشويق' كيف أدير الغموض، وكيف أحرك الشخصيات بذكاء داخل الحبكة لأحافظ على حماس القارئ وتوقّعه حتى النهاية.
15_ هل تفضل الكتابة الورقية أم النشر الإلكتروني؟ ولماذا؟
بكل تأكيد أفضل النشر الورقي. بالنسبة لي الكتاب ليس مجرد كلمات تُقرأ على شاشة، بل هو تجربة فنية متكاملة تبدأ من ملمس الغلاف، ورائحة الورق، وتقليب الصفحات. النسخة الورقية تمنح الرواية هيبة وقيمة حقيقية، وتجعل القارئ ينفصل عن صخب العالم الرقمي ليعيش داخل القصة بكل جوارحه، وأن يقتني القارئ هذا العمل ويحتفظ به في مكتبته الخاصة كجزء من ذكرياته، هذا هو الإنجاز الحقيقي الذي أطمح إليه دائماً.
16_هل سبق أن كتبت نهاية لرواية ثم غيرتها في اللحظة الأخيرة؟
بالنسبة لي، كتابة النهاية ليست مرحلة أخيرة في الرواية، بل هي نقطة الانطلاق. أنا لا أترك النهاية للصدفة أو للظروف التي قد تفرضها شخصيات الرواية أثناء الكتابة، بل أبدأ دائماً بتصميم النهاية وتأثيرها العاطفي والذهني العميق على القارئ أولاً.
بناءً عليه، لم يسبق لي أن غيرت نهاية في اللحظة الأخيرة، لأنني أعتبر النهاية هي 'قلب الحبكة' التي أُشيد حولها كل التفاصيل. في رواياتي الثلاث، كان الرهان دائماً على عنصر المفاجأة الصادم الذي لا يهدف فقط للدهشة، بل ليكون لحظة 'توقف'، تلك اللحظة التي يغلق فيها القارئ الكتاب ويصمت تماماً ليعيد ترتيب أفكاره ويستوعب أبعاد ما قرأه. بالنسبة لي، الكتابة هي هندسة لهذه اللحظة بالتحديد، وهذا ما يمنح رواياتي بصمتها الخاصة.
17_ ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟
أكبر تحدٍ واجهته لم يكن مجرد العثور على الفكرة أو صياغة الحبكة، بل كان الحفاظ على الصدق الشعوري والنفسي للشخصيات وعوالمها وسط ظروف ومشتتات خارجية تفرض صخبها عليك ككاتب.
التحدي الحقيقي هو كيف تبني عالماً روائياً عميقاً ومتماسكاً (مثلما حاولتُ أن أفعل في مشروعي الروائي جوسكا)، وتمنح شخصياتك أبعاداً نفسية حقيقية تعيش وتتنفس، في نفس الوقت الذي تخوض فيه معاركك اليومية الخاصة، وتوازن فيه بين التزاماتك الحياتية ودراستك وبين شغفك بالكتابة. الانتقال من صخب الواقع وضغوطه إلى هدوء النص وعمقه، وتحويل تلك الضغوط إلى طاقة إبداعية تخدم القصة بدلاً من أن تثقلها، كان الاختبار الأكبر. لكن هذا التحدي بالذات هو ما جعل للمنتج النهائي قيمة وروحاً تصل إلى القارئ بصدق.
18_ أي كتاب من كتبك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
بلا شك، رواية 'بين أسنان الذئب' هي الأقرب لقلبي. السبب في ذلك يعود إلى حجم التفاصيل الهائل الذي عشته مع شخصياتها يوماً بيوم أثناء الكتابة. لم أردها مجرد قصة تُقرأ، بل بنيتها كـ 'متاهة فكرية'؛ زرعتُ فيها نظريات وتفاصيل دقيقة تفعّل عقل القارئ وتدفعه للتحليل والتحزير، لكي ينغمس تماماً في الأحداث، حتى يصل في النهاية إلى الصدمة الختامية التي تقلب كل التوقعات. هذا البناء الذكي هو ما يجعلني أعتز بها جداً.
19_ كيف تتعامل مع النقد؟ وهل له تأثير في تطوير أسلوبك الكتابي؟
أتعامل مع النقد باعتباره أداة أساسية لتطوير النص وليس هجوماً شخصياً؛ فالعمل بمجرد خروجه للنور يصبح كياناً مستقلاً. أحرص دائماً على الفصل بين ذاتي وبين ما أكتبه، لأتمكن من غربلة الآراء والتركيز على النقد الموضوعي الذي يضع يده على خلل حقيقي في البناء أو الإيقاع السردي، والنقد يضيء لي "النقاط العمياء" التي قد أغفل عنها ككاتب بسبب معايشتي الطويلة والتصاقي الشديد بالنص، فهو لا يلغي صوتي الأدبي أو هويتي الخاصة، بل يشذّبها ويصقلها، ويتحول تلقائياً في كل مشروع جديد إلى حسّ احترازي يضمن لي التطور والنضج المستمر.
20_ هل تؤمن أن الكاتب يترك جزءًا من روحه في كل كتاب يكتبه؟
أؤمن بذلك إيماناً مطلقاً. الكتابة ليست مجرد ترتيب للكلمات، بل هي عملية استنزاف عاطفي ونفسي؛ فالكاتب يضع جزءاً من وعيه، وتجاربه، وحتى مخاوفه السرية في كل فصل يكتبه.
أنا لا أكتب نصاً وأمضي، بل أضع طاقتي الكاملة في كل جملة. ستجد 'بصمتي' أو 'رائحة الكاتب' كما أسميها، في أصغر التفاصيل، قد تكون في نبرة الشخصية، في حوارٍ يبدو عابراً، أو حتى في الإهداء في مقدمة الكتاب. بالنسبة لي، كل رواية هي مرآة تعكس جانباً من روحي في تلك اللحظة الزمنية، لذا فالعمل الأدبي هو أصدق توثيق لحياة الكاتب.
21_ كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟
أرى أن التكنولوجيا لم تغيّر جوهر الأدب، بل غيّرت فقط المساحة التي نلتقي فيها بالقارئ، فالشاشات هي "ورقنا الجديد"، والمنصات الرقمية أعطتنا ككتّاب أجنحة للعبور فوق كل الحواجز التقليدية. الرهان الحقيقي اليوم ليس في الركض خلف إيقاع السوشيال ميديا السريع أو ذوبان النص في الخوارزميات، بل في كتابة حكاية تحمل روحاً ونبضاً إنسانياً صادقاً. التكنولوجيا تمنح الكلمة سرعة الانتشار، لكن عمق النص وأصالته هما وحدهما ما يمنحانه الخلود في ذاكرة الناس.
22_ هل تعمل حالياً علي مشروع جديد؟ وما الذي يمكن أن نتوقعه منك قريباً؟
نعم، أعمل حالياً على مجموعة قصصية جديدة اخترت لها اسم "مذابح مألوفة". المشروع مستوحى بالكامل من جرائم حقيقية وقعت بالفعل في الواقع، وأركز فيه بشكل مكثف ودقيق على أدق التفاصيل النفسية والواقعية والظروف المحيطة بكل حادثة. ما يمكن توقعه قريباً هو تجربة سردية صادمة وواقعية، تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع خفايا الجريمة والنفس البشرية من زوايا تفصيلية لم تُطرح من قبل.
23_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟
الكتابة ليست مجرد موهبة، بل هي معركة يومية مع الذات. لا أخفيكم أنني كنت من أكثر الناس الذين نهشهم التفكير الزائد؛ تلك الليالي التي تقضيها وأنت غارق في متاهات الرواية، عالقاً في فجواتها، تشعر أنك تدور في حلقة مفرغة ولا تصل لشيء. كان الإحباط رفيقي، والشك في القدرة على الوصول كان هو الصوت الأعلى في رأسي.
لكن السر الذي اكتشفته بعد عناء طويل ليس في الموهبة بحد ذاتها، بل في 'الاستمرار رغم التمزق'. بقيت أحاول، وأكتب، وأعدّل، وأتمسك بحبل المحاولة حتى عندما بدا لي أن كل شيء قد ضاع. النجاح لم يكن يوماً سهلاً، ولم يكن خطاً مستقيماً، لكنني وصلت. حتى لو كان نجاحاً مرة واحدة، أو خطوة واحدة قطعتها في مسار حلمك، فهي كافية لتثبت أنك قادر.
لا تتركوا أفكاركم تموت في رؤوسكم بسبب الخوف من عدم الوصول أو ضجيج التفكير الزائد. الكتابة تعبٌ مستحق، والمحاولة وحدها هي التي تحول الموهبة من مجرد فكرة عابرة إلى أثر باقٍ. استمروا، فالمسافة بين الحلم والواقع تقصر فقط مع كل محاولة جديدة.
24_ ما رأيك في المجلة؟
سعدت جداً بهذا الحوار، وأشكركم من كل قلبي على هذه الاستضافة اللطيفة والمميزة. مجلة 'قعدة مبدعين' فعلاً اسم على مسمى، فهي مساحة راقية ومختلفة تجمع كل من يهتم بالفن والكلمة والإبداع، وأنا ممتن جداً لكوني جزءاً من هذه الحوار الطيب.
الحوار كان ممتعاً ومريحاً لأبعد حد ، أشكركم على ذوقكم في الطرح وعلى إتاحة هذه الفرصة لي لأتحدث بكل عفوية. أتمنى للمجلة وللقائمين عليها دوام التوفيق والنجاح، وكلي ثقة بأن 'قعدة مبدعين' ستبقى دائماً المنصة التي تبرز المواهب الحقيقية وتدعم الكُتّاب.
في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتب المبدع" محمود تادفي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."
إعداد الحوار : الصحفية أسماء أشرف






