مجلة قعدة مُبدعين
" أسرار المملكة الزرقاء "
ليس البحر ماءً كما يراه العابرون، بل مملكةٌ نُفيت من ذاكرة اليابسة، وأُغلق بابها يوم تعلّم الإنسان أن يخاف المجهول.
في الأعماق ينتصب عرشٌ من الياقوت الأزرق، لم يجلس عليه بشر، لأن الملوك هناك لا يتنفسون الهواء، بل هيبة الصمت.
والمرجان ليس نباتًا، بل أعمدة قصورٍ انهارت فوق أصحابها، فآثرت أن تبقى شاهدةً بدل أن تفنى.
أما الأصداف فهي خزائن تُخفى فيها العهود القديمة، ولا تُفتح إلا لمن اختاره البحر وريثًا لأسراره.
ويقال إن لكل موجة رسولًا، يحمل أخبار المملكة إلى السطح، لكن البشر لا يسمعون سوى الضجيج.
وفي الليالي التي يكتمل فيها القمر، تُضاء الطرقات في القاع بأرواحٍ لم تمت، بل اختارت أن تستبدل السماء بسقفٍ من الماء.
هناك لا تُقاس الأعمار بالسنين، وإنما بعدد السفن التي مرّت فوق الرؤوس دون أن تعلم أن تحتها حضارةً كاملة.
وإذا اختفى بحّارٌ ولم يُعثر له على أثر، فلا تعجَلوا برثائه؛ فلعل المملكة استدعته ليكون شاهدًا على ما حُجب عن أعين العالم.
وأحسب أن البحر لا يخفي كنوزه خوفًا من البشر، بل رحمةً بهم؛ لأن الحقيقة، حين تكون أعمق من القدرة على احتمالها، تصبح سرًا.
فكلما وقفتُ أمام البحر، لم أشعر أنني أنظر إلى الماء... بل إلى حدود مملكةٍ ما زالت ترفض الاعتراف بأن عصرها قد انتهى.
بقلم: الكاتبة بسمة القاضي
