مجلة قعدة مُبدعين
" أمير الرواية العربية "
لم يكن نجيب محفوظ من أولئك الكُتّاب الذين يقتحمونك بالضجيج، بل دخل إلى وعي أمةٍ كاملة بصمت رجلٍ يعرف أن الحقيقة لا تُقال، بل تُهمس. كان يكتب كمن يحفر نفقًا تحت الحارة، فإذا بك تكتشف أن النفق يمر من تحت قلبك أنت.
وُلد في الجمالية عام 1911، ودرس الفلسفة لا ليصبح فيلسوفًا على المنابر، بل ليتعلم كيف يطارد الأسئلة التي يهرب منها الآخرون. بدا دائمًا كمن يعيش بنصف روحٍ في مكتبه، والنصف الآخر يتجول بين مصائر البشر، يراقبهم وهم يصنعون أقدارهم بأيديهم، ثم يندهشون منها.
حين كتب "عبث الأقدار" و"رادوبيس" ظنوا أنه مؤرخ يتنكر في زي روائي. لكن مع "زقاق المدق" و"الثلاثية" اتضح أن الرجل لا يؤرخ لمصر بقدر ما يكتب سيرة مجتمعٍ كامل وهو يتحول ويتبدل. لم تكن الحارة عنده مكانًا، بل صورةً مصغرة للعالم؛ بأحلامه وصراعاته وعدله وظلمه.
ثم جاءت "أولاد حارتنا"، فلم يعد يكتب عن أشخاصٍ بقدر ما صار يكتب عن الأفكار وهي تُختبر في حياة البشر. هناك بدا مشغولًا بالسؤال القديم ذاته: لماذا يفشل الإنسان في الاحتفاظ بالعدل كلما ظن أنه امتلكه؟
وفي "الحرافيش" اتسعت الدائرة أكثر، فكتب عن السلطة وهي تنتقل من جيلٍ إلى جيل، وعن المجد حين يتحول إلى ميراثٍ فارغ، وعن الإنسان الذي يكرر أخطاء أسلافه وهو يظن أنه يصنع طريقًا جديدًا.
أما في "اللص والكلاب" و"الطريق" و"الشحاذ"، فقد انتقل من مراقبة المجتمع إلى تفكيك الروح الإنسانية نفسها. لم يعد أبطاله يبحثون عن الخبز أو النجاة، بل عن المعنى. وكأن السؤال الأكبر عنده لم يكن كيف يعيش الإنسان، بل لماذا يعيش أصلًا.
ولم يكن روائيًا فحسب، بل عقلًا متأملًا يختبئ خلف الحكاية. يكتب مشهدًا بسيطًا في مقهى، فإذا به يفتح بابًا على سؤالٍ وجودي. ويمنح شخصياته حرية الكلام، ثم يترك القارئ وحيدًا أمام الإجابات.
وحين نال جائزة نوبل عام 1988، لم يكن ذلك سوى اعترافٍ عالمي بمشروعٍ أدبي امتد لعقود. غير أن قيمة محفوظ لم تكن يومًا في الجوائز، بل في قدرته النادرة على أن يجعل القارئ يرى نفسه داخل شخصياته، مهما اختلف الزمن أو المكان.
وفي سنواته الأخيرة، وبعد محاولة اغتياله، ضعفت يده وبصره، لكن صوته الأدبي لم يضعف. بدا كأن الجسد يتراجع بينما يزداد الأثر رسوخًا. وكأن الكاتب الذي أمضى عمره يدوّن ذاكرة الناس، صار هو نفسه جزءًا من تلك الذاكرة.
وربما لم يكن نجيب محفوظ يتنبأ بالمستقبل كما يظن البعض، لكنه فهم طبائع البشر بعمقٍ نادر. ومن يفهم كيف يعيد الإنسان إنتاج أخطائه، يستطيع أن يرى ملامح الغد في تجاعيد الأمس.
أحيانًا أشعر أن نجيب محفوظ لم يكن يكتب روايات، بل كان يدوّن السجل النفسي لأمةٍ كاملة؛ ولذلك رحل الجسد، وبقيت الشخصيات تمشي بيننا، وبقيت الأسئلة التي طرحها مفتوحةً، كأنها كُتبت هذا الصباح.
بقلم: بسمة جمعة القاضي
#بقلمي
#نجيب_محفوظ
#الأدب_العربي
#الحرافيش
#أولاد_حارتنا
