مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب حسام محمد القاضي
في حوارٍ صحفي، نلتقي اليوم مع الكاتب "حسام محمد القاضي"، البالغ من العمر أربعةً وثلاثين عامًا، من محافظة الجيزة، والذي اختار أن يخوض تجربة الكتابة في الأدب الاجتماعي والأدب العربي الفلسفي، مقدمًا من خلالهما رؤيته الأدبية وأفكاره الخاصة.
أصدر الكاتب كتابين؛ الأول بعنوان "فاصلة" في الأدب الاجتماعي الساخر عام 2024، والثاني بعنوان "أكسجين" في الأدب العربي الفلسفي عام 2025، ليقدم من خلالهما تجربتين مختلفتين في الطرح والأسلوب.
ومن هنا نبدأ هذا الحوار لنقترب من عالمه الأدبي، ونتعرف إلى رؤيته، وأبرز أعماله، وما يحمله قلمه من أفكار.
1▪︎ قبل أن نتحدث عن مؤلفاتك، من هو الكاتب "حسام محمد القاضي"؟ وكيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟
_ أنا حسام محمد القاضي، كاتب وروائي مصري، من مواليد "القاهرة".
أؤمن بأن الأدب ليس مجرد وسيلة للسرد، بل محاولة لفهم ما يدور بأعماق الأنسان، أميل إلى كتابة الروايات التي تجمع بين التشويق والبعد النفسي.
بدأت رحلتي مع الكتابة بدافع الشغف بالقراءة منذ الطفولة. كنت أقرأ في مجالات متنوعة، من الأدب العربي والعالمي إلى التاريخ والفلسفة والفقه والسيرة والمسرحيات، ومع الوقت شعرت بأن لدي حكايات ورؤى تستحق أن تُروى،وأمنت ان لدى طريقتى الخاصة فى ذلك. كانت البدايات بسيطة، مليئة بالتجارب والمحاولات، لكن كل نص كتبته كان خطوة نحو اكتشاف صوتي الأدبي.
2▪︎ أصدرت كتابين ينتميان إلى مدرستين مختلفتين؛ الأدب الاجتماعي الساخر والأدب العربي الفلسفي، ما الذي جذبك إلى هذا التنوع؟
_ لا أحب أن أضع نفسي داخل قالب أدبي واحد، لأنني أؤمن أن الفكرة هي التي تفرض شكلها على الكاتب، وليس العكس. لذلك جاء كل كتاب نتيجة لمرحلة مختلفة من التفكير والاهتمام.
في الأدب الاجتماعي الساخر، وجدت مساحة لطرح قضايا المجتمع ونقد بعض الظواهر والسلوكيات بأسلوب خفيف يجعل القارئ يبتسم وفي الوقت نفسه يعيد التفكير فيما يقرأ.
أما الأدب العربي الفلسفي، فقد منحني فرصة للغوص في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان، والوجود، والصراع بين العقل والمشاعر، والدين القشرى، والقضايا الشائكة التى يتفداها معظم الناس، وهي أسئلة لطالما شغلتني كقارئ قبل أن تشغلني ككاتب.
لا أرى هذا التنوع تناقضاً، بل أعتبره امتداداً طبيعياً لشغفي بالكتابة.
فما دام لدي ما أريد قوله، فلن أتردد في اختيار المدرسة الأدبية الأنسب للتعبير عنه، لأن هدفي في النهاية هو أن تصل الفكرة إلى القارئ بأفضل صورة ممكنة.
3▪︎ كيف وُلدت فكرة كتاب (فاصلة أدب اجتماعي الساخر)، وما القضية التي سعيت إلى طرحها من خلاله؟
_ ولدت فكرة فاصلة من مواقف يومية كنت أراها تتكرر في المجتمع، مواقف قد تبدو عادية أو مضحكة في ظاهرها، لكنها تحمل بين سطورها الكثير من التناقضات والمفارقات.
شعرت أن السخرية هي أفضل وسيلة لطرح هذه القضايا لأنها تجعل القارئ يبتسم أولاً ثم يتوقف ليفكر فيما يقرأ.
لم يكن هدفي توجيه الاتهامات أو إصدار الأحكام، بل تسليط الضوء على بعض السلوكيات التي اعتدنا عليها حتى أصبحت جزءاً من حياتنا دون أن ننتبه إليها، لذلك حاولت أن يكون الكتاب قريباً من القارئ، يستلهم تفاصيله من الواقع، ويقدمها بأسلوب ساخر يحمل رسالة أكثر من كونه مجرد وسيلة للترفيه.
4▪︎ يحمل كتاب (أكسجين أدب عربي فلسفي) عنوانًا مميزًا، فما دلالة هذا العنوان؟ وما الفكرة التي يقوم عليها الكتاب؟
_ اخترت عنوان اكسجين لأنه يرمز إلى الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه، ومن وجهة نظري، فإن الفكر والمعرفة والتأمل هي أكسجين الروح والعقل، تماماً كما أن الأكسجين هو سر استمرار الحياة للجسد، لذلك جاء العنوان معبراً عن فكرة أن الإنسان لا يحيا بالاحتياجات المادية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى ما يغذي وعيه.
يقوم الكتاب على مجموعة من الخواطر والنصوص ذات الطابع الفلسفي، يناقش من خلالها قضايا الإنسان، مثل معنى الحياة، والحرية، والهوية، والصراع بين العقل والقلب، والنجاح، والفشل، والعلاقات الإنسانية. لم يكن هدفي تقديم إجابات نهائية، بل فتح أبواب للتأمل، وطرح أسئلة قد تختلف إجاباتها من شخص إلى آخر.
أرى أن الأدب الفلسفي لا يفرض رأياً على القارئ، بل يدعوه إلى التفكير. وإذا أغلق القارئ الكتاب وهو يحمل سؤالاً جديداً أو ينظر إلى فكرة قديمة من زاوية مختلفة، فأشعر أن الكتاب قد حقق رسالته.
5▪︎ كيف توفق بين الطرح الفلسفي والأسلوب الأدبي دون أن يفقد النص قربه من القارئ؟
_ أؤمن أن الفلسفة لا يجب أن تكون معقدة حتى تكون عميقة، لذلك أحرص دائماً على تقديم الأفكار الفلسفية بلغة أدبية سلسة،بعيدة عن المصطلحات الثقيلة، مع الاعتماد على أمثلة من الحياة اليومية وصور بلاغية تجعل الفكرة أقرب إلى القارئ، فأنا أحاوره لا أحاضره.
في رأيي، الكاتب لا يكتب ليُظهر ثقافته، بل ليصل إلى القارئ. فإذا احتاج القارئ إلى شرح النص أكثر من الاستمتاع به، فقد النص جزءاً من رسالته. لهذا أسعى إلى تحقيق توازن بين عمق الفكرة وجمال الأسلوب وسلاسته، بحيث يجد القارئ نفسه يستمتع بالنص أولاً، ثم يكتشف أنه في الوقت نفسه يتأمل قضية أو سؤالاً فلسفيًا.
6▪︎ برأيك، هل يستطيع الأدب أن يغيّر طريقة تفكير الإنسان أو نظرته إلى الحياة؟
_ أعتقد أن الأدب لا يغير الإنسان بشكل مباشر، لكنه يمتلك القدرة على تغيير الطريقة التي يرى بها نفسه والعالم، فالكتب لا تُملي على القارئ كيف يفكر، لكنها تمنحه زوايا جديدة للنظر، وقد يكون هذا كافياً ليعيد مراجعة كثير من قناعاته.
الرواية أو النص الأدبي الجيد يضع القارئ في حياة أشخاص آخرين، فيجعله يفهم دوافعهم، ويتعاطف مع اختلافهم، ويطرح على نفسه أسئلة لم يكن ليفكر فيها من قبل. ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي، ليس بالإجبار، وإنما بالوعي.
شخصياً، هناك كتب غيرت كثيراً من نظرتي إلى الإنسان وإلى الحياة، ولذلك أسعى في كتاباتي إلى أن أترك لدى القارئ أثراً فكرياً وإنسانياً لا يزول، حتى لو كان بسيطاً.. فإذا انتهى من القراءة وهو يحمل فكرة جديدة، أو أعاد النظر في حكم كان يعتقد أنه نهائي، فأرى أن الأدب قد أدى واحدة من أعظم رسائله.
7▪︎ هل هناك تجربة أو موقف في حياتك كان له أثر مباشر في تشكيل أفكارك وكتاباتك؟
_ أؤمن أن الكاتب هو حصيلة ما عاشه وما قرأه وما تأمله، لذلك لا أستطيع أن أربط أفكاري أو كتاباتي بموقف واحد بعينه، وإنما بمجموعة كبيرة من التجارب والمواقف التي تراكمت عبر السنوات، سواء كانت تجارب شخصية أو مواقف عشتها مع الآخرين أو حتى قصصاً سمعتها وتركت أثراً في داخلي.
كما كان للقراءة دور كبير في تشكيل رؤيتي، فالاحتكاك بمدارس أدبية وفكرية مختلفة جعلني أكثر ميلاً إلى طرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات، وأكثر اقتناعاً بأن الحقيقة ليست دائماً وجهة نظر واحدة.
أعتقد أن كل تجربة، مهما بدت بسيطة، تترك أثراً في الكاتب. قد يتحول موقف عابر أو حوار قصير أو حتى لحظة صمت إلى فكرة تنمو مع الوقت، ثم تجد طريقها إلى ورقة، لتصبح بعد ذلك قصة أو مقالاً أو كتاباً يقرأه الآخرون.
8▪︎ كيف تصف رحلتك من الفكرة الأولى حتى صدور كتابيك إلى القراء؟
_ كانت رحلة مليئة بالتحديات والتعلم أكثر من كونها مجرد رحلة لنشر كتابين، البداية دائماً تكون بفكرة صغيرة أو سؤال يشغلني، ثم أبدأ في البحث والقراءة وتدوين الملاحظات، إلى أن أشعر أن الفكرة أصبحت ناضجة بما يكفي لتتحول إلى كتاب.
لكن الكتابة بالنسبة لي لا تنتهي عند المسودة الأولى، بل تبدأ بعدها مرحلة المراجعة والحذف وإعادة الصياغة مرات عديدة، أؤمن أن النص الجيد هو نتاج الصبر والبحث، وأن الكاتب يجب أن يكون أول ناقد لعمله قبل أن يقدمه إلى القارئ.
وعندما صدر كتاباي ووصلا إلى القُراء، شعرت بأن الرحلة الحقيقية قد بدأت، لأن الكتاب بعد نشره لم يعد ملكاً لكاتبه وحده، بل أصبح لكل قارئ الحق في أن يفسره بطريقته، ويتفاعل معه من زاويته الخاصة، وكانت أجمل لحظة بالنسبة لي هي أن أجد قارئاً يخبرني أن فكرة أو عبارة من أحد الكتابين بقيت عالقة في ذهنه أو أثرت في نظرته إلى أمرٍ ما، عندها أدركت أن كل ما بذلته من وقت وجهد كان يستحق العناء.
9▪︎ ما التحديات التي واجهتك خلال مسيرتك الأدبية، وكيف تعاملت معها؟
_ لكل كاتب تحدياته الخاصة، وأعتقد أن أصعبها ليس البدء في الكتابة، بل الاستمرار فيها مع الحفاظ على جودة ما يقدمه، من أبرز التحديات التي واجهتني تحويل الأفكار إلى نصوص قادرة على الوصول إلى القارئ كما تخيلتها، فالفكرة قد تكون واضحة في الذهن، لكن صياغتها بالشكل المناسب تحتاج إلى وقت وصبر ومراجعات متكررة.
كما أن النشر والوصول إلى القراء يمثلان تحدياً لأي كاتب، خاصة في ظل كثرة الإصدارات والمحتوى المتاح اليوم، لذلك أدركت أن أفضل وسيلة للتغلب على هذه الصعوبة هي التركيز على جودة العمل نفسه، لأن الكتاب الجيد يمتلك فرصة أكبر ليصنع مكانه بمرور الوقت.
أما على المستوى الشخصي، فقد تعلمت ألا أخشى النقد، بل أرحب بالنقد الموضوعي لأنه يساعدني على تطوير أدواتي واكتشاف نقاط القوة والضعف في كتاباتي، أؤمن أن الكاتب الذي يتوقف عن التعلم يتوقف عن التطور، لذلك أعتبر كل تجربة، سواء كانت نجاحاً أو تعثراً، خطوة جديدة في رحلتي الأدبية.
10▪︎ ما الذي دفعك إلى خوض تجربة النشر مع دار الأثر لهذا العمل؟
_ اختياري لدار الأثر جاء بعد قناعة بأنها تمتلك رؤية تحترم الكاتب والنص معاً، ولم أكن أبحث عن دار نشر تطبع الكتاب فقط، بل عن شريك يؤمن بالعمل ويسعى إلى تقديمه للقارئ بالشكل الذي يستحقه
وجدت لدى الدار اهتماماً بجودة المحتوى، وحرصاً على أن تمر مراحل النشر باحترافية، بداية من المراجعة والإخراج الفني وحتى وصول الكتاب إلى القارئ، وهذا منحني ثقة بأن عملي سيكون في المكان المناسب
أعتقد أن العلاقة بين الكاتب ودار النشر هي علاقة شراكة في النجاح، ولذلك كان تعاوني مع دار الأثر مبنياً على الاحترام المتبادل والإيمان بقيمة ما أقدمه، وأتمنى أن يكون هذا التعاون بداية لخطوات أدبية أخرى تحمل المستوى نفسه من الجودة والاهتمام.
11▪︎ كيف تصف تجربتك مع دار الأثر للنشر والتوزيع؟
_ كانت تجربتي مع دار الأثر تجربة إيجابية ومثمرة، اتسمت بالاحترافية والاحترام المتبادل منذ بداية التعاون، ما لمسته هو اهتمام حقيقي بالكاتب وحرص على أن يخرج الكتاب في أفضل صورة، خلال مراحل النشر
وفي النهاية، أوجه الشكر إلى أسرة دار الأثر على دعمهم واهتمامهم، وأتمنى أن يستمر هذا التعاون في أعمال قادمة، بما يحقق قيمة حقيقية للقارئ ويضيف إلى المشهد الثقافي.
12▪︎ ما الفكرة أو القضية التي تتمنى تناولها في أعمالك الأدبية القادمة؟
_ لا أحب أن أكرر نفسي، لذلك أسعى في كل عمل جديد إلى طرح قضية مختلفة، سواء في الفكرة أو في طريقة السرد، ما يشغلني في المرحلة المقبلة هو التعمق أكثر في النفس الإنسانية، وكيف يمكن للظروف، والسلطة، والخوف، والطموح، أن تعيد تشكيل الإنسان وتغير قراراته ومصيره.
كما يستهويني المزج بين الأدب والفكر، لكن في إطار روائي مشوق، بحيث لا يشعر القارئ أنه يقرأ أفكاراً مجردة، بل يعيشها من خلال الشخصيات والأحداث. وأرى أن الرواية تمنح الكاتب مساحة واسعة لمناقشة قضايا معقدة دون أن يفقد عنصر المتعة
بصفة عامة، أطمح إلى تقديم أعمال تترك أثراً يتجاوز لحظة القراءة.
13▪︎ في ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تود أن تتركها لقرائك؟
_ أود أولاً أن أتوجه بالشكر إلى كل قارئ منح كتاباتي جزءاً من وقته، لأن الوقت هو أثمن ما يملكه الإنسان، واختيار كتاب لقراءته هو في حد ذاته ثقة أعتز بها وأسعى دائماً لأن أكون على قدرها
رسالتي إلى القراء هي:
لا تجعلوا القراءة مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل اجعلوها رحلة لاكتشاف أنفسكم والعالم من حولكم، اقرأوا باختلاف، وناقشوا، واسألوا، ولا تترددوا في تكوين آرائكم الخاصة، فالأدب لا يهدف إلى أن يمنحنا إجابات جاهزة، بل إلى أن يوقظ فينا فضول البحث والتأمل
وأعد كل من يقرأ لي أن أظل وفياً لما أؤمن به، أن أكتب بصدق، وأن أبحث في كل عمل جديد عن فكرة تستحق أن تُروى، ونص يحترم عقل القارئ ووجدانه. وإذا تركت كلماتي أثراً طيباً في نفس قارئ واحد، فأعتبر أنني حققت الغاية التي أكتب من أجلها.
شكراً لكل من رافقني في هذه الرحلة، وأتمنى أن نلتقي دائماً بين صفحات كتاب جديد يحمل فكرة تستحق القراءة.
14▪︎ نشكرك على هذا اللقاء المميز، ونتمنى لك دوام النجاح والتوفيق، ومزيدًا من الإبداع والتميز في أعمالك القادمة.....
_ وأنا بدوري أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكم على هذا الحوار الراقي، الذي أتاح لي فرصة الحديث عن تجربتي الأدبية ورؤيتي للكتابة، لقد كانت أسئلتكم عميقة ومتنوعة، وهو ما جعل هذا اللقاء ممتعاً ومختلفاً.
أشكركم على حسن الاستضافة، وأتمنى أن أكون قد وفقت في نقل جزء من أفكاري إلى القراء، كما أتمنى أن تظل الثقافة والكتاب حاضرين في حياتنا، وأن تستمر مثل هذه اللقاءات في دعم الأدب وتشجيع الكتاب على تقديم الأفضل.
انتهى الحوار، لكن تبقى الفكرة مستمرة في ما كتبه الكاتب "حسام محمد القاضي"، وفي ما سيكتبه لاحقًا.
كان معكم هذا الحوار من دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"...
المحاور: الإعلامية/ منه طلال السيد.





