مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب الدكتور فتحي الصاوي
في عالم الأدب، حيث تتلاقى الكلمات مع الأحاسيس وتنسج القصص عالمًا من الخيال والواقع، نجد أن بعض الكتاب لا يكتفون بمجرد كتابة الحروف، بل يبثون في أعمالهم نبضًا من الإبداع الذي يتسلل إلى قلوب قرائهم. اليوم، نحن على موعد مع أحد هؤلاء الكتاب الذين أثبتوا جدارتهم في صنع القصص التي تُحاكي الواقع وتُلهب الخيال. في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على رحلة الكاتب المبدع [ الدكتور فتحي الصاوي ]، الذي قدم لنا العديد من الأعمال الأدبية التي شكلت نقطة فارقة في عالم الأدب. نلتقي به اليوم للحديث عن مشواره، مصدر إلهامه، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو الإبداع."
مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:
1_ لنبدأ بالتعرّف على بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلًا عن نفسك؟
أهلًا بحضراتكم، وأشكركم جزيل الشكر على هذه الاستضافة الكريمة والكلمات الطيبة.
أنا اسمي فتحي الصاوي، طبيب بيطري، أبلغ من العمر 25 سنة.
وأنا قارئ وكاتب من محافظة الشرقية، وتصنيف كتاباتي هو أدب الفانتازيا.
2_ما السبب الذي دفعك إلى الكتابة؟
في الواقع قد تبدو إجابتي غير تقليدية وربما تثير بعض الجدل، لكن دافعي الأول للكتابة نبع من ملاحظتي لغياب الأعمال العربية التي تمنح أدب الفانتازيا ثقله الحقيقي وتتناوله بجدية ونضج. ولأنني لم أجد في المحتوى المتاح ما يرضي ذائقتي أو يعكس العمق الذي أبحث عنه في العوالم الخيالية؛ قررت أن أصنع بنفسي القصة التي كنت أتوق دومًا لقراءتها.
3_كيف بدأت رحلتك للكتابه؟
بدأت رحلتي مع الكتابة بشكل تدريجي؛ فقد انطلقت من شغف التحليل والتأمل في الأعمال الملحمية الكبرى والأساطير، ولم أكتفي يومًا بمجرد الاستمتاع بالقصة كمتلقٍ، بل كنت أقرأ بعين فاحصة، أحلل كيف تُبنى العوالم الخيالية، وكيف تُنسج الأساطير وتُصاغ صراعات الشخصيات المعقدة. هذا التحليل المستمر هو ما غرس في داخلي البذرة الأولى للكتابة.
4_وهل هناك لحظه معينه ألهمتك في هذا المجال؟
اللحظة الفاصلة التي ألهمتني للبدء فعليًا، فبصراحة شديدة لم تكن لحظة تقليدية أو ومضة مفاجئة من الخيال، بل كانت أقرب إلى لحظة "استفزاز فني". كنت أقرأ إحدى روايات الفانتازيا التي تحظى بشهرة واسعة، ولمّا طويت صفحتها الأخيرة، شعرت بخيبة أمل حقيقية. ووجدت نفسي أقول بوضوح: "يمكنني تقديم ما هو أفضل من ذلك. يستحق القارئ العربي عملًا يحترم عقله، ويقدم له عالمًا ذا هوية أصيلة." وتلك اللحظة السلبية بالذات كانت الوقود الفعلي لانطلاقتي؛ فقد أدركت حينها أن الشكوى من ضعف المحتوى لا تكفي، وأن عليّ أن أتحمل مسؤولية صناعة تلك القصة التي أبحث عنها، والتي تحمل طابعاً أصيلًا وتحترم ذكاء المتلقي وتأخذه في رحلة تليق بوقته.
5_ما هي أبرز إنجازاتك؟
# بمنتهى الشفافية أنا أمتلك معايير قاسية نوعًا ما في تقييم نفسي. قد ينظر الكثيرون إلى خطوة "النشر" بحد ذاتها كإنجاز تتويجي، وأنا أتفهم ذلك، لكنني شخصيًا لا أراها كذلك؛ النشر بالنسبة لي هو مجرد خطوة البداية وتذكرة دخول إلى الساحة لا أكثر.
ولكن إن كان عليّ الحديث عما أعتز به في رحلتي حتى الآن فهو يكمن في الكواليس التي لا يراها الجميع، والمتمثلة في الجهد الفكري المبذول في التأسيس لحكاية "أبناء القمر" وكتابها الأول "أحلام النور الخافت" والذي استغرق ما يقارب الـ5 سنوات، والغوص في بناء ملحمة ذات أساطير معقدة وتاريخ عتيق دون اللجوء للاستسهال.
لكن باختصار، إنجازي الحقيقي سيتحقق حين يخبرني قارئ عربي أن هذا العمل احترم عقله وترك أثرًا لا يُمحى في مخيلته، وأنه استمر في التفكير فيه بعد غلق آخر صفحاته.
# رواية "أحلام النور الخافت" هي بوابتي الأولى التي أدعو من خلالها القارئ للعبور إلى عالم "الأرض النهائية". العمل ينتمي لتصنيف الفانتازيا العُليا/الملحمية، وهو يمثل الجزء الأول وحجر الأساس لسلسلة "أبناء القمر".
تدور الأحداث حول صراع عتيق ومرير بين مملكتين: "إزرايا" و"فالتين". عن احتلال يثقل كاهل إحدى المملكتين منذ ألفي عام، لكن هذا الاحتلال ليس مجرد بسط نفوذ تقليدي أو رغبة في التوسع؛ بل يحركه سعي دؤوب ومحموم للبحث عن شيء غامض وخطير مدفون في أعماق تلك الأراضي المحتلة.
وباعتبار هذا الكتاب هو التقديمة الأولى للعالم وصراعاته، فقد حرصت على ألا يكون مجرد سرد للأحداث، بل تجربة غنية بتعدد الشخصيات المحورية التي تروي القصة من زوايا مختلفة. الرواية تبتعد عن سطحية الخير والشر لتقدم شخصيات معقدة ذات أبعاد نفسية عميقة، وتتخللها حوارات فلسفية تدفع القارئ للتأمل، كل ذلك مغلف بأسرار مرعبة تتكشف طبقاتها تدريجيًا وتضفي طابعًا من الغموض على هذا العالم.
6_ما هي رسالتك التي تريد أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟
• بصراحة أنا لا أؤمن بفكرة "الرسالة المباشرة" أو الموعظة التي يُعلبها الكاتب ويفرضها على قُرائه. أنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأن استنباط الرسالة هو حق أصيل للقارئ وحده، ولا يحق لأي شخص التدخل فيه حتى لو كان الكاتب نفسه؛ لأن القراءة في النهاية هي تجربة شخصية وحميمة جدًا، وكل قارئ يرى في النص ما يلامس روحه وتجاربه.
• ولكن إن كان لا بد من تحديد "غاية" لمشروعي الأدبي، فهي غاية تتعلق برد الاعتبار للخيال. أريد أن يمنح القارئ العربي فرصة حقيقية لأدب الفانتازيا، وأن لا يحكم على هذا التصنيف العظيم بأكمله بناءً على تجارب سابقة أو أعمال استسهلت هذا الفن.
• غايتي هي أن يدرك الناس قيمة "الخيال" في حياتنا؛ فالخيال في نظري ليس أداة للهروب من الواقع كما يُشاع، بل هو في أعمق صوره "تجميل وانعكاس" لهذا الواقع.
7_من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟
أمي طبعًا؛ فهي أول قُرائي، وأكبر داعمي مع أبي، ولولاهما لما تشجعت لنشر العمل من الأساس.
بالإضافة لكثير من الأصدقاء القُرّاء الذين لا يبخلون بنقدٍ بنّاء أو تشجيع.
8_ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟
• التحدي الأكبر بالنسبة لي كان ضبط النفس، أو ما أسميه "كبح جماح العالم".
• حين تقضي وقتًا طويلًا في بناء عالم ضخم وتنسج تاريخًا يمتد لآلاف السنين من الصراعات المعقدة، يصبح عقلك مشبعًا بالتفاصيل. الفخ الأكبر هنا هو إغراء الاستعراض؛ أن تستسلم لرغبتك في حكي كل هذا التاريخ للقارئ دفعة واحدة. فكان التحدي اليومي هو كيف أظهر للقارئ 1% فقط من العالم لخدمة مسار القصة، وأجعله في الوقت نفسه يشعر بوطأة وثقل الـ99% المخفية تحت السطح دون أن أثقل كاهله بالشروحات الجافة.
• التحدي الآخر كان نفسيًا ويتعلق بالشخصيات. حين تصنع قصة بهذه الضخامة، يلزم أن تكون الشخصيات مثيرة جدًا للاهتمام ومختلفة ومميزة، فكان التحدي هو الالتزام بصوت كل شخصية المميز، وكيفية جعل كل تلك الشخصيات الناتجة من عقل واحد ورؤية واحدة، تظهر بشكل مختلف.
9_ما هي أهتمامتك غير الكتابة؟
• أنا معجب جدًا بفن الأنمي والمانجا الياباني. تعجبني أساليب المؤلفين المختلفة في تناول القصص والسرد والتي تختلف عن الأساليب الروائية طبعًا.
أنا أحترم بشدة شجاعة الخروج عن المألوف وكسر القوالب الجاهزة؛ لذا حتى لو قرأت أو شاهدت عمل لا يتفق بالضرورة مع ذائقتي الشخصية، سأحترم المجهود المبذول فيه ومحاولة الخروج بشيء مميز وغير تقليدي.
• أحب كذلك القراءة في أساطير الشعوب المختلفة، ويذهلني كيف طوّرت كل حضارة أساطيرها الخاصة لتفسير العالم، والأكثر إثارة للدهشة هو مراقبة تلك التقاطعات والتشابهات العجيبة بين أساطير شعوب متباعدة جغرافيًا وتاريخيًا، وكيف تواردت أفكارهم أو تأثروا ببعضهم البعض رغم انعدام التواصل المادي بينهم.
10_هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟
• بالطبع لا يمكن لأي كاتب يطرق أبواب الفانتازيا أن ينكر أثر "تولكين" باعتباره الأب الروحي لهذا الأدب، فقد كان نطة انطلاق ملهمة لي ولأجيال من الكُتاب. لكن إذا تحدثنا عن العمل الذي ترك البصمة الأعمق في تكويني، فسيكون بلا شك سلسلة "عجلة الزمن" (The Wheel of Time) لمؤلفها "روبرت جوردن".
لقد أسرني هذا العمل وبناؤه لدرجة أنني في محاولاتي الأولى للكتابة انغمست في محاولة تقليد أسلوب المؤلف. لا أخجل من ذلك، فهي مرحلة محورية يمر بها كل كاتب كنوع من التتلمذ قبل أن ينسلخ من عباءة أساتذته ويتبلور صوته السردي الخاص.
• أما الجانب الآخر من الإلهام والذي شكل هويتي اللغوية فهو الشعر العربي الجاهلي. أنا مفتون بقوة وجزالة الكلمة في تلك الحقبة؛ ولذلك تجدني أميل دائمًا في سردي إلى الكتابة النثرية بلغة شاعرية وجميلة وأحاول أن أضع بعض الأغنيات والأبيات الشعرية في قصصي.
• التأثير الحقيقي لهذه النماذج يكمن في أنهم علموني كيف أدمج بين البناء الملحمي الضخم وبين اللغة العربية الشاعرية العتيقة لأصل في النهاية إلى أسلوبي المستقل الذي تقرأونه اليوم في "أبناء القمر".
11_هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟
الرضا شعور مزدوج بالنسبة لي. من ناحية، أنا فخور وممتن للجهد الذي بذلته في صناعة قصتي دون التنازل عن معاييري. وأنا راضٍ لأنني قدمت العمل الذي يحترم ذائقتي كقارئ أولًا، ويحترم عقل المتلقي.
ولكن إذا كان المقصود بالرضا هو الاكتفاء والشعور بالوصول لخط النهاية، فالإجابة هي لا قاطعة. أنا أعتبر نفسي ما زلت أقف على عتبة الباب؛ "أحلام النور الخافت" هي مجرد تذكرة دخول وبداية لرحلة طويلة جدًا. لذلك أرى أنه ما زال أمامي الكثير جدًا لأتعلمه وأكتبه.
12_هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟
أعتقد أن صورة الكاتب المعذب التي تروج لها الأعمال الدرامية هي صورة رومانسية ومستهلكة نوعًا ما. الإبداع لا يشترط بالضرورة أن تكون في حالة انهيار لتنتج شيئًا عظيمًا. اللحظات العفوية تلعب دورًا حاسمًا؛ إذ هي الشرارة التي تولد منها الأفكار أو تُحل بها عقدة في الحبكة بشكل مفاجئ.
أنا أميل دائمًا للأشياء التي تحمل طابعًا خامًا وأصيلًا، ولا أعتقد أن المعاناة لازمة لخلق شيء كهذا.
13_من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟
بمنتهى الواقعية، الأدب لا يمتلك عصا سحرية لتغيير المجتمع بين ليلة وضحاها، والادعاء بغير ذلك هو مبالغة رومانسية لا أميل إليها. الأدب يبدأ دائمًا كانعكاس للواقع، لكنه –كما ذكرت سابقًا– انعكاس يهدف إلى تفكيك هذا الواقع وإعادة تصوره.
التأثير الحقيقي للأدب لا يقع على المجتمع ككتلة صماء، بل يقع على الفرد نفسه. التغيير يحدث حين يقرأ شخص ما عملًا يوسع خياله أو يدفعه لطرح أسئلة جديدة، أو يجعله يرى الصراعات الإنسانية من زاوية مختلفة.
الأدب يغير الفرد، والفرد هو من يغير المجتمع.
14_كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟
بصراحة أرى أن العلاقة بين الكاتب والقارئ يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل وليس التبعية. أنا لا أكتب لأرضي توقعات الجمهور أو لأواكب ما يطلبه السوق؛ فمحاولة إرضاء الجميع تنتج غالبًا عملًا باهتًا ومصطنعًا يفتقر إلى الروح والهوية.
بوصلتي الأولى والأخيرة هي أنني أكتب القصة التي كنت أتوق أنا شخصيًا لقراءتها.
لكن هذا لا يعني الأنانية الفنية وتجاهل القارئ. على العكس تمامًا، احترامي الحقيقي للقارئ لا يتمثل في إعطائه ما يتوقعه سلفًا، بل في إعطائه ما يستحق في تجربة تحترم عقله ولا تستخف بذكائه. أنا أخلص لقصتي وأثق أن القارئ الذكي سيقدر هذا الإخلاص.
15_متى اكتشفت أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديك؟
اكتشفت ذلك ببساطة حين تحولت الكتابة من شيء أفعله في وقت الفراغ إلى شيء أختلس له الوقت.
حين يبدأ عالمك الخاص في مطاردتك في تفاصيل يومك العادية، وحين تجد نفسك شاردًا تفكر في صراعات روايتك أو تراجع دوافع إحدى شخصياتك وأنت تمارس مهامك الروتينية المعتادة، وتضطر لترك ما بيدك لتدوين فكرة قبل أن تتبخر.. هنا تدرك فورًا أن الأمر تخطى مرحلة التسلية أو الهواية وأصبح شغفًا حقيقيًا يزاحم واقعك.
16_هل تفضل الكتابة الورقية أم النشر الإلكتروني؟ ولماذا؟
أنا أدرك تمامًا أهمية النشر الإلكتروني كأداة قوية لكسر الحدود الجغرافية والوصول السريع للقارئ، لكن قلبي وانحيازي المطلق يميلان بشدة إلى الكتاب الورقي.
كما قلت سابقًا، أنا شخص يقدر الأشياء التي تحمل طابعًا خامًا. في الفنون البصرية مثلًا، تجذبني الخطوط اليدوية المرسومة بالفحم أو الحبر، تلك التي تحمل خشونة وروحًا حقيقية، أكثر من التصاميم الرقمية شديدة المثالية والبرودة. الورق بالنسبة لي يحمل هذه الروح؛ له ملمس، ورائحة، ووزن مادي يجعلك تشعر أنك تمسك بقطعة حقيقية من العالم الذي تقرأ عنه.
باختصار: النشر الإلكتروني هو وسيلة ممتازة للانتشار السريع، لكن الورق هو الروح والتوثيق الحقيقي للتجربة.
17_ماذا يمثل لك وجود كتبك في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟
بالتأكيد الوصول لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هو شيء يدعو للفخر بالنسبة لكاتب في بداياته مثلي، لكن بمنتهى الصدق، لا أرى المعرض مجرد احتفالية ثقافية كبرى أو منصة لالتقاط الصور والاحتفاء بصدور العمل. المعرض بالنسبة لي يمثل لحظة المواجهة الحقيقية.
طوال الفترة الماضية كنت أعيش بمفردي تمامًا داخل عالمي، لكن وجود كتابي على رفوف المعرض يعني ببساطة أن هذه العزلة قد انتهت وأن هذا العالم لم يعد ملكًا لي وحدي.
المعرض هو الجسر الذي يربط بين نتاجي الفكري وبين القارئ الذي راهنت عليه وتحدثت عن احترام عقله. هو اللحظة التي أتنحى فيها جانبًا ككاتب وأترك الورق يتحدث عن نفسه ليخوض القارئ تجربته الشخصية ويطلق حكمه بحرية تامة.
18_كيف تتعامل مع النقد؟ وهل له تأثير في تطوير أسلوبك الكتابي؟
أرى أن النقد هو الامتداد الطبيعي والمطلوب لأي عمل فني، لكني في الوقت ذاته أضع خطًا فاصلًا وواضحًا بين نوعين من النقد، وهما "نقد الذائقة" و"النقد التحليلي".
نقد الذائقة يتعلق بالتفضيلات الشخصية؛ كأن يقول أحدهم إنه لا يفضل الأجواء القاتمة، أو يميل للرتم السريع بدلًا من التمهيد البطئ. هذا النقد أحترمه تمامًا كحق أصيل للقارئ، لكنه لا يؤثر على قراراتي أو يغير مساري؛ لأنني حسمت أمري مسبقًا بأنني أكتب القصة التي تشبهني وتعبّر عن هويتي، ولا أسعى لتفصيل عمل يرضي جميع الأذواق.
أما "النقد التحليلي" فهو الذي يفكك بنية الرواية؛ من يناقشني في منطقية دوافع شخصية معينة، أو يشير إلى خلل في إيقاع السرد، أو يسأل عن ثغرة في القواعد التي بنيت عليها العالم. هذا النوع من النقد أعتبره كنزًا حقيقيًا. أستمع إليه بتجرد شديد وآخذه بعين الاعتبار.
هل يغير هذا النقد من أسلوبي؟ هو قطعًا لا يغير رؤيتي أو هويتي ككاتب، لكنه يصقل أدواتي ويجعلني أكثر دقة وصرامة مع نفسي في كتابة الأجزاء القادمة من السلسلة.
19_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟
لا أنظر للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على أنها عدوًا للأدب كما يروج البعض، بل هي فقط أداة كاشفة.
من جهة، نحن نعيش عصرًا ذهبيًا للانتشار؛ إذ لم يعد الكاتب حبيس التوزيع المحلي وبات بإمكانه إيصال قصصه لأي قارئ بضغطة زر. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في فخ الخوارزميات وتكريس ثقافة الاستهلاك السريع. وسائل التواصل تفرض إيقاعًا لاهثًا لإنتاج نصوص تواكب "التريند"، وهذا يتناقض تمامًا مع طبيعة الأدب الذي يتطلب صبرًا ومجهودًا.
ومع ذلك أنا متفائل جدًا. أؤمن أن طوفان المحتوى السطحي سيجعل القارئ يصل حتمًا لمرحلة التشبع وسيبحث بشراهة عن الأصالة والعمق. وهنا أستحضر مقولة عبقرية للكاتب براندون ساندرسون حين قال: "Good stories are evergreen"
وهو محق، فالقصص الجيدة دائمة الخضرة بالفعل.
قد تصنع الخوارزميات ضجة حول عمل رديء لأيام أو شهور، لكن القصة الجيدة والمبنية بأساسات متينة هي التي تصمد وتتجاوز الزمن. مستقبل الأدب العربي سيكون من نصيب الكاتب الذي يمتلك الذكاء لتطويع التكنولوجيا للوصول، والصلابة ليرفض أن تملي عليه هذه التكنولوجيا ماذا وكيف يكتب، إيمانًا منه بأن القصة الحقيقية والأصيلة لا تذبل أبدًا.
20_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟
رسالتي بسيطة: الموهبة وحدها مجرد شرارة، والشرارة تنطفئ سريعًا إذا لم تجد وقودًا يغذيها.
لا تركن إلى وهم الإلهام السهل، ولا تنتظر اللحظة المثالية لتبدع. الإبداع الحقيقي، سواء كان في بناء القصص أو في أي مجال فني آخر، يتطلب تلك المكابدة الفنية التي ذكرتها سابقًا؛ يتطلب انضباطًا وصبرًا للاستمرار في العمل حتى في الأيام التي تفقد فيها الشغف.
نصيحتي الأهم لأي مبدع: لا تركض خلف "التريند" ولا تحاول تفصيل فنك ليتطابق مع القوالب الجاهزة أو ما يطلبه السوق. كن أصيلًا واصنع الفن الذي تتوق أنت لاستهلاكه. لا تخف من تقديم شيء يحمل طابعًا مختلفًا؛ لأن الجمهور ذكي جدًا ويميز بالفطرة بين العمل الباهت والمصطنع، وبين العمل الذي سُكبت فيه روح حقيقية.
وأخيرًا: أذكركم –وأذكر نفسي– أن القصة الجيدة المكتوبة أفضل من القصة الممتازة التي تظل حبيسة في عقل صاحبها. لا تسارع نحو الكمال منذ اللحظة الأولى؛ الأهم أولًا هو أن تُحضر فكرتك إلى الواقع، أن تنزعها من خيالك وتجعلها ملموسة وحقيقية، ثم بعد ذلك خذ وقتك في التنقيح لتجعلها جيدة.
21_ما رأيك في المجلة؟
بخصوص المجلة، فاسم "قعدة مُبدعين" يحمل في طياته دلالة ذكية على الحميمية والابتعاد عن الرسميات الباردة. وجدتُ في مجلتكم مساحة حقيقية تحتفي بالجهد الإبداعي وتمنح الكُتاب والفنانين فرصة للتعبير عن أفكارهم بصورة صادقة. نحن نحتاج في المشهد الثقافي إلى منصات تدعم الأصالة، وتهتم بجوهر الصنعة بدلًا من الركض خلف الاستهلاك السريع، وهذا ما لمسته لديكم.
أما عن الحوار، فقد استمتعت به إلى أبعد حد. ما ميز هذا اللقاء هو ابتعاده عن الأسئلة المعلبة أو السطحية التي تدور عادة في فلك المجاملات الروتينية. فشكرًا لكم على هذه الاستضافة المميزة، وأتمنى لمجلتكم وللقراء كل التوفيق والنجاح.
في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتب المبدع" الدكتور فتحي الصاوي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."
حوار : الصحفية أسماء أشرف





