مجله قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب حمدي عطيه
في عالم الأدب، تبقى الرحلات الحقيقية هي تلك التي تبدأ بشغفٍ صادق وتستمر بالإصرار والتجربة والتعلّم. ويسعدنا اليوم أن نستضيف الكاتب حمدي عطية، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خشبة المسرح قبل أن ينتقل إلى عالم الرواية، مقدمًا أعمالًا متنوعة حملت رؤيته الخاصة للإنسان والحياة. في هذا الحوار نقترب من تجربته الإبداعية، ونتعرف على رؤيته للكتابة، ومصادر إلهامه، وأبرز التحديات التي واجهها خلال مسيرته الأدبية.
1. متى بدأت رحلتك مع الكتابة، وكيف اكتشفت موهبتك الأدبية؟
بداية رحلتي في الكتابة كانت من خلال مسرحية "امرأة غيورة جداً"، وكنت وقتها لا أزال طالبًا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة. كتبتها لمسرح الجامعة، وعندما نالت استحسان الجميع وحققت نجاحًا ملحوظًا اكتشفت موهبتي الأدبية الحقيقية، ومن هنا اتخذت قرار الاستمرار في الكتابة المسرحية. وظللت أكتب للمسرح حتى عام 2002 حين اتجهت إلى كتابة الرواية، وكان ذلك تحولًا مهمًا في حياتي الأدبية.
2. هل تؤمن بأن الكتابة موهبة أم مهارة يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة؟
في رأيي أن من العناصر الحاسمة في نجاح أي عمل أدبي الموهبة مع الدراسة. فالموهبة هي الأساس الذي يدفع الكاتب إلى تنمية مهاراته، بينما تمنحه الدراسة والممارسة القدرة على ترتيب أفكاره وبناء أعماله بصورة متماسكة ومؤثرة. ولا شك أن القراءة والكتابة المستمرة تسهمان في تطوير أي موهبة أدبية.
3. ما أول عمل أدبي كتبته؟
أول عمل أدبي متكامل كتبته كان مسرحية "امرأة غيورة جداً". ورغم وجود محاولات سابقة في طفولتي في القصة والرواية، فإنها لم ترَ النور، لذلك أعتبر هذه المسرحية هي البداية الحقيقية لمسيرتي الأدبية.
4. كيف تصف أسلوبك الأدبي للقارئ الذي لم يقرأ لك من قبل؟
أنا لا أحب فرض وصف معين لأسلوبي على القارئ، لأن لكل قارئ ذوقه الخاص في استقبال النصوص. لكن بشكل عام أميل إلى السرد باللغة العربية الفصحى، مع استخدام العامية في الحوارات في بعض أعمالي وليس كلها.
5. من أبرز الكتّاب الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟
نشأت على حب القراءة والاطلاع، وكنت في بداياتي أحرص على قراءة مؤلفات مصطفى محمود الذي تشرفت بلقائه لاحقًا، وكذلك أنيس منصور الذي تأثرت بأسلوبه. كما قرأت لـ عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم، ثم اتجهت إلى الأدب الإنجليزي الذي وجدته من أكثر الآداب العالمية واقعية.
6. ما أكثر كتاب قرأته وكان له تأثير كبير في طريقة تفكيرك؟
لا أستطيع أن أحدد كتابًا واحدًا أو كاتبًا واحدًا فقط، فلكل كاتب قرأت له أثره الخاص في جانب من جوانب الحياة، حتى نضجت فكريًا وأدبيًا عبر سنوات طويلة من القراءة.
7. كيف تولد فكرة العمل الأدبي لديك؟
الفكرة بالنسبة لي أشبه بشرارة مفاجئة تشغل ذهني نتيجة مزيج من التجارب الشخصية والملاحظات الدقيقة، ثم تبدأ في النمو والتطور تدريجيًا حتى تتحول إلى حبكة متكاملة تصلح لعمل أدبي.
8. كيف تعرف أن فكرة ما تستحق أن تتحول إلى عمل أدبي كامل؟
أهم معيار بالنسبة لي هو العمق الإنساني والصراع الداخلي الذي تحمله الفكرة، وقدرتها على إثارة المشاعر وتحويلها إلى نص يلامس القلوب ويترك أثرًا لدى القارئ.
9. هل تستمد شخصياتك من الواقع أم من الخيال؟
ذلك يعتمد على طبيعة العمل الأدبي. فإذا كان العمل خياليًا تكون الشخصيات من وحي الخيال، وإن تشابهت مع شخصيات واقعية. أما إذا كان العمل مستندًا إلى أحداث حقيقية أو تاريخية، فغالبًا ما تكون الشخصيات واقعية مع إضافة بعض اللمسات الفنية لخدمة الحبكة الدرامية.
10. كيف تختار شخصيات أعمالك وأسماءها؟
يتم اختيار الشخصيات بناءً على طبيعة الحبكة والهدف من الرواية. ولكل شخصية أهدافها ودوافعها ونفسيتها الخاصة التي يتم بناؤها بعناية حتى تتطور مع الأحداث وتصبح قريبة من القارئ.
11. ما أكثر شخصية كتبتها وشعرت بالارتباط بها؟
أستطيع أن أقول إنه لا توجد شخصية واحدة فقط ارتبط بها، لأن الشخصيات الرئيسية في كثير من الأحيان تحمل جزءًا من أفكار الكاتب ورؤيته للحياة، ولذلك أشعر بقرب خاص من معظم الشخصيات المحورية التي أكتبها.
12. ما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟
أسعى إلى نقل التجارب الإنسانية وتسليط الضوء على القضايا المجتمعية المختلفة، سواء كانت مرتبطة بالمخدرات أو العنف أو التحرش أو غيرها من المشكلات التي تستحق المناقشة والمعالجة.
13. ما الدور الذي يلعبه البحث والاطلاع في كتابة أعمالك؟
البحث عنصر أساسي في عملي الأدبي. وفي روايتي الأخيرة "زهرة قريش" التي تتناول السيرة الذاتية للسيدة آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ والحياة الاجتماعية والسياسية في مكة قبل الإسلام، وجدت نفسي أمام رحلة طويلة من البحث والقراءة في كتب السيرة والتاريخ والتراث للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة.
14. كيف تتعامل مع فترات غياب الإلهام؟
أتوقف عن الكتابة لبعض الوقت، وأعود إلى القراءة وممارسة حياتي الطبيعية حتى أستعيد نشاطي الذهني وقدرتي على الإبداع.
15. ما العادات التي تساعدك على الاستمرار في الإبداع؟
القراءة المستمرة لمختلف الأعمال الأدبية، وممارسة الكتابة بانتظام، والحرص على البقاء متصلًا بعالم السرد والشخصيات.
16. ما أصعب تحدٍ واجهته خلال مسيرتك في الكتابة؟
أصعب تحدٍ كان فترة الجمود الإبداعي التي مررت بها وتسببت في توقف طويل عن الكتابة، لكن التحدي الأكبر كان القدرة على تجاوز هذه المرحلة والعودة من جديد.
17. هل سبق أن دفعك رأي القراء إلى تعديل أحد أعمالك؟
لا، لأن العمل بعد نشره وطباعته يصبح في متناول القراء. لكنني أستفيد من النقد البنّاء والملاحظات التي تصلني وأضعها في الاعتبار عند كتابة أعمالي اللاحقة.
18. ما أكثر موقف أو رسالة من قارئ تركت أثرًا في نفسك؟
في رواية "كاميليا" تلقيت الكثير من الرسائل من القراء الذين تأثروا بمشهد إعدام البطلة وبكوا عند قراءته، وشعرت وقتها بأنني نجحت في إيصال الفكرة والمشاعر التي أردت نقلها.
19. ما أكثر خطأ يقع فيه الكتّاب المبتدئون من وجهة نظرك؟
الاستعجال في البحث عن الشهرة قبل تنمية الموهبة وتطوير الأدوات. فالقراءة والتعلم والكتابة المستمرة يجب أن تسبق التفكير في النتائج.
20. هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت الكتّاب أم أثرت سلبًا على الأدب؟
هي سلاح ذو حدين؛ فقد سهلت التواصل بين الكاتب والقارئ وساعدت على الوصول إلى المعلومات والكتب، لكنها في الوقت نفسه أبعدت كثيرًا من الناس عن القراءة العميقة.
21. ما رأيك في انتشار الكتب الإلكترونية؟
رغم انتشار الكتب الإلكترونية، سيظل للكتاب الورقي سحره ومتعة خاصة لا يمكن تعويضها. ومع ذلك لا يمكن إنكار أن الكتاب الإلكتروني أصبح ضرورة عملية في عصرنا الحالي.
22. ما الحلم الذي ما زلت تسعى إلى تحقيقه في مجال الكتابة؟
أحلام الكاتب لا تنتهي إلا بانتهاء حياته، لأن الكتابة بالنسبة له وسيلة دائمة لتحقيق الذات والاستمرار في الإبداع.
23. إذا طُلب منك تلخيص رحلتك الأدبية في جملة واحدة، فماذا ستقول؟
حياتي الأدبية هي نص مكتوب أواصل إعادة صياغته لأترك أثرًا يعبر الزمن.
24. ما النصيحة التي كنت تتمنى أن تسمعها عندما بدأت الكتابة لأول مرة؟
في بداياتي كنت أوزع نسخًا مجانية من أعمالي على الأصدقاء والنقاد والمثقفين وأنتظر ملاحظاتهم ونصائحهم، وكنت حريصًا على الاستماع إلى كل رأي يمكن أن يساعدني على التطور.
25. وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى قرائك؟
رسالتي إلى القراء أنني أشعر بوجودهم معي أثناء الكتابة، وكأنهم يراقبون كل كلمة أكتبها، لذلك أحرص دائمًا على أن أكون عند حسن ظنهم، لأنهم شركائي الحقيقيون في عوالم الروايات والقصص التي أقدمها.
هكذا تنتهي رحلتنا مع الكاتب حمدي عطية، لكنها بالتأكيد ليست نهاية رحلته مع الأدب والإبداع. فمن خلال هذا الحوار لمسنا شغفه بالكلمة، وإيمانه بقيمة القراءة والبحث، وحرصه الدائم على تقديم أعمال تحمل رسالة إنسانية وفكرية. نتمنى له دوام النجاح والتألق، وأن تستمر أعماله في الوصول إلى القراء وترك بصمتها في وجدانهم، فالكلمات الصادقة تظل دائمًا قادرة على عبور الزمن وصناعة الأثر.
حوار : الصحفية ملك إيهاب





