أُغَارِيت

 مجلة قعدة مُبدعين 

"أُغَارِيت"

لي مدينةٌ أسميتها "أُغَارِيت".
لا أحد يقرأ لُغتُها إلا أنا. 
حروفِها مِسمارية، كُتِبَت على ألواحُ طينٍ بأظافري.

أهبطُ إليها عبر درجٍ لولبيٍّ لاإانتهاء لهُ، قد نُحِت في عظم جبلٍ أسود.  

على كُلّ درجةٍ منه، إسمٌ لذِكرى ألقيتُها، لعهدٍ نُكِث، لوعدٍ كُسِر، ليدٍ أفلتتني. فصارت مَداساً.  

في الأسفل، لا شمسٌ تُرى. 
السقفُ سماءٌ من قناديل الزيت، لهيبُها أزرقُ كالجليد، كدمعٍ تجمّد قبل أن يسقُط.  

ضوئُها يكفي لأن أرى ندوبي، ولا يكفي لأن يراها أحد.  

فهُنا، الصوتُ خطيئة، والحديث يأكُل الجُدران. 
ومن أرادَ قولاً، خطّهُ على لوحٍ ثُم هشّمهُ، فتتطاير الكلِمات شظايا لا تُجمِعُها يد.  

والزمنُ مُعطّل. 
لا عقارِب هُنا، إنما يُقاس العُمر بعدد القناديل التي تخبو مِن تِلقاء نفسِها، وبعدد الأقنعة التي نخلعها.  

لي في "أُغَارِيت" أحياءٌ ثلاثة:  
حيّ الرماد: مكتبةٌ أوراقُها بيضاء، أكتبُ فيها ما إستعصى على الشِفاه. 
 
ساحة الصدى: فضاءٌ أجرد، إن صرختُ فيه، عادني الصدى بعد عامٍ، بصوتٍ ليسَ صوتي.  

بِئرُ الحِبر: جبٌّ لا قرار لهُ، أُلقِي فيهِ أسماء من خذلوني، فأسمعُ غرقهُم... وأهدأ. نُلقِي فيهِ الأعذار السخيفة، والوعود الكاذِبة، وأرقام الهواتِف التي حفظناها رُغماً عنا. 
نسمعُ غرقُها... فنشهق بالهواء لأول مرة.  

غُرفة الخياطة: فيها نجلِس نُرتِقُ قلوبِنا المُمزقة بخيوطٍ من فضة.
 كُل غُرزةٍ منها توجِع، لكِنها تُغلِق الثُقب. فلا نعود كما كُنا، نصير أقوى.  

على بابِها صخرةٌ تزِنُ نِصف طِنّ، نُقِشَ عليها:  
"لا يدخُلُها الملوكُ ولا الضحايا. لا يدخُلُها سِوى الناجيات."  

هذه مدينتي التي لا تُرى.  
لم تُبنَ لتُزار، بل لتُغلَق. 
 
حينَ يضُجّ ما فوق الأرض، أُديرُ ظهري، أُغلِق الباب. 
 
فيصيرُ العالم فوقي... مقبرة.  
و"أُغَارِيت"... هي الحياة.


بقلم بسمة جمعة ✍️

إرسال تعليق

أحدث أقدم