حوار صحفي مع الكاتبة زينب العتريسى

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة زينب العتريسى 


لكل كاتب حكاية تبدأ قبل أن يكتب أول كلمة، حكاية مليئة بالشغف والتجارب التي تصنع منه صوتًا مختلفًا.
 الكاتبة [ زينب العتريسي ] واحدة من تلك الأصوات التي نجحت في الوصول إلى القارئ بصدق وعمق.
 في هذا اللقاء الخاص، نتوقف معها عند محطات مهمة من مسيرتها الأدبية، ونسلط الضوء على رؤيتها للكتابة والإبداع. 

مرحبا بك في مجله "قعده مبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:


1_لنبدأ بالتعرف علي بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلا عن نفسك؟

أنا زينب العتريسي، أبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، وأدرس حاليًا في الفرقة الثالثة بكلية التربية، شعبة العلوم باللغة الإنجليزية، بجامعة بنها.
أكتب لأن الكلمات كانت دائمًا طريقتي الوحيدة لفهم هذا العالم وفهم نفسي داخله. لم تكن بدايتي قرارًا واعيًا بقدر ما كانت هروبًا من ضجيجٍ داخلي لا يُحتمل، فوجدت في الكتابة مساحة آمنة أقول فيها ما لا يُقال.
كبرتُ وأنا أراقب التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد، وأحوّلها إلى مشاعر ثم إلى نصوص. ومع الوقت، لم تعد الكتابة مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت هويتي التي أتشكل بها، والصوت الذي أُسمِع به ما يعجز الآخرون عن قوله.
أؤمن أن الكلمة الصادقة قادرة على أن تُربك القلب، وتُربّت عليه في الوقت ذاته، ولهذا أكتب، لا لأُرضي أحدًا، بل لأصل إلى تلك المنطقة العميقة في الإنسان حيث تختبئ الحقيقة دون تجميل.

2_ما الذي دفعِك للكتابة؟ 

لم تدفعني إلى الكتابة رغبةٌ عابرة، بل ذلك القلق الوجودي الذي يسكنني، وتلك الأسئلة التي لا تكفّ عن مطاردتي: من أنا؟ ولماذا أشعر بكل هذا الثقل تجاه أشياءٍ لا تُرى؟
وجدت في الكتابة فعلًا يشبه إعادة ترتيب الفوضى الكامنة في الداخل، ومحاولة دؤوبة لمنح المعنى لما يبدو عبثيًا. كنت أكتب لأقاوم هشاشتي، ولأفهم هذا التناقض الإنساني الذي يجعلنا ممتلئين ومفرغين في آنٍ واحد.
ومع الوقت، أدركت أنني لا أكتب لأصل إلى إجابة نهائية، بل لأتعايش مع الأسئلة نفسها، وأن الكتابة ليست حلًا، بل طريقة راقية لمواجهة العجز، وصياغة الألم في هيئة يمكن احتماله.

3_ كيف كانت بدايتك مع عالم الكتابة؟ ومتى اكتشفتِ موهبتك في الكتابة؟ 

لم تكن بدايتي مع الكتابة مخططة أو نابعة من وعيٍ مبكر بموهبة، بل جاءت كامتداد طبيعي لعلاقتي القديمة بالقراءة؛ فقد كنت منذ صغري غارقة في الكتب، أتنقّل بين عوالمها بشغف، دون أن يخطر ببالي يومًا أن أكون جزءًا من هذا العالم ككاتبة، إذ اقتصر قلمي آنذاك على تدوين يومياتي فحسب.
لكن التحوّل الحقيقي بدأ في فترة الجائحة وما صاحبها من عزلةٍ ثقيلة. هناك، حين انكمش العالم في الخارج واتّسع داخلي بشكلٍ مُربك، وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع ذاتي، ومع ذلك الفراغ الذي لم يكن فراغًا بقدر ما كان امتلاءً خانقًا بالمشاعر غير المفهومة.
في تلك اللحظة، لم أجد وسيلة للنجاة سوى الكتابة. لم تكن رفاهية، بل كانت محاولة لفهم ما يحدث، لالتقاط هذا الفيض الغامض من الإحساس وصياغته في كلمات. بدأت بخواطر متفرقة، ثم تحوّل الأمر تدريجيًا إلى فعلٍ يومي، كأنني أُعيد كتابة نفسي سطرًا بعد سطر.
ومن هنا، لم أكتشف موهبتي بقدر ما اكتشفت أن الكتابة كانت كامنة فيّ منذ البداية، تنتظر لحظة الصمت الكافي لتظهر، وأنها لم تكن مجرد تعبير، بل وسيلتي الوحيدة للتصالح مع ذاتي، وفهم هذا العالم الذي يبدو أحيانًا أكثر غموضًا مما ينبغي.


4_ما هي إنجازاتك؟ 

لا أُحب أن أُسمّي ما قدمتُه “إنجازات” بالمعنى التقليدي، بقدر ما أراه محاولات جادّة للاقتراب من الإنسان في أكثر حالاته صدقًا وهشاشة.
في تجربتي مع أدب الرسائل، كان كتابي الأول «رسائل إلى عزيزي الغريب» بمثابة بداية هذا الطريق؛ حيث لم أكتب لشخصٍ بعينه، بل لذلك “الغريب” الذي يسكن داخل كل قارئ. حاولت أن أجعل من كل رسالة مرآة شعورية، يرى فيها الإنسان ذاته دون أن يشعر، وكأن الكلمات تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
أما «مرآة الأسيل»، فهو امتداد أكثر عمقًا لهذه التجربة؛ إذ لم يعد النص مجرد تعبير عن المشاعر، بل محاولة لكشفها وإعادة تقديمها للقارئ بصورةٍ أكثر وضوحًا وصدقًا. هو أشبه بصندوقٍ من الرسائل، تفتح إحداها فتجد نفسك فيها، ثم تكتشف تدريجيًا أن ما تقرأه لم يكن يومًا غريبًا عنك، بل كان جزءًا خفيًا منك ينتظر أن يُرى.
وقد اخترت “الأسيل” تحديدًا كرمز، لأنه ذلك الانعكاس الفضي الذي تصنعه الشمس على سطح الماء، حيث تتحوّل المياه إلى مرآة صافية تكشف صورتك كما هي. وكذلك كانت هذه النصوص، محاولة لعكس المشاعر الإنسانية بكل تقلباتها، بهدوئها حينًا، واضطرابها حينًا آخر، تمامًا كالبحر في حالاته المختلفة.
لهذا، أرى أن ما قدمتُه ليس إنجازًا مكتملًا، بل رحلة مستمرة في فهم الإنسان، ومحاولة صادقة لكتابة ما لا يُقال، ولمس ما لا يُرى.

5 _ما هي رسالتك التي تريد أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟

لا أظن أن لديّ “رسالة” بالمعنى المباشر، بقدر ما لديّ رغبة مستمرة في أن أجعل الإنسان يرى نفسه كما هي، دون أقنعة أو محاولات تجميل.
أكتب لأنني أؤمن أن داخل كل إنسان عالَمًا معقّدًا من المشاعر التي لا يُحسن تسميتها، وأن أكثر ما يؤلمنا ليس ما نشعر به، بل عجزنا عن فهمه. لذلك، أحاول من خلال كلماتي أن أُعيد صياغة هذا الغموض، وأن أمنح القارئ لحظة مواجهة صادقة مع ذاته، لحظة يدرك فيها أن ما يظنه فوضى داخله، ليس إلا جزءًا طبيعيًا من كونه إنسانًا.
رسالتي — إن جاز تسميتها — ليست أن أقدّم إجابات، بل أن أُعمّق الأسئلة، وأن أخلق ذلك الصدى الخافت داخل القارئ، حيث يشعر أن هناك من يفهمه دون أن يضطر للشرح.
أريد لنصوصي أن تكون مرآة لا تُجمّل، لكنها لا تُدين، تكشف، وتحتوي، وتترك الإنسان في مواجهة حقيقته، لا ليضعف، بل ليفهم، وربما، ليتصالح.

6_من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟

لم يكن الطريق قائمًا على دعمٍ خارجي بقدر ما كان قائمًا على تلك المحاولة الدائمة لأن أُمسك بيدي في اللحظات التي كدتُ أن أسقط فيها. كنتُ أنا الداعم الأول لنفسي، أنا التي أقنعتُها بالاستمرار حين بدا كل شيءٍ بلا جدوى، وأنا التي آمنتُ بها حين ترددت.
لكن، في امتداد هذه الرحلة، لم أكن وحدي تمامًا. كانت أمي تمثّل ذلك الجذر العميق الذي أستند إليه دائمًا، حضورها كان أشبه بيقينٍ ثابت يمنحني الأمان والقوة من دون حاجة للكلمات. أما خالتي ولاء، فكانت ذلك الضوء الرقيق الذي يتسلل في اللحظات المعتمة، لا يفرض نفسه، لكنه يُشعرني بأن هناك من يرى محاولاتي ويقدّر صمتي وسعيي.
أدركت مع الوقت أن الدعم الحقيقي لا يكون دائمًا في الكلمات، بل في ذلك الشعور العميق بأن هناك من يشاركك الطريق بصمت، يواسيك دون أن يفرض نفسه. لهذا، يمكنني القول إنني سرتُ في هذا الطريق بين إيمانٍ صنعته بنفسي، وجذور أمي الصلبة، وطمأنينة خالتي الرقيقة، لتتشكّل تلك المساحة التي مكنتني من الاستمرار بثبات هادئ لا ينكسر.

7_ ما أكثر التحديات التي واجهتك في طريقك ككاتبة؟

أظن أن أكثر التحديات التي واجهتني لم تكن خارجية بقدر ما كانت كامنة في داخلي. فالكتابة، في جوهرها، ليست فعل بوحٍ بسيط، بل مواجهة مستمرة مع النفس، مع تلك المناطق المعتمة التي نحاول غالبًا تجاهلها.
كان أصعب ما واجهته هو أن أكون صادقة تمامًا، لأن الصدق في الكتابة مُكلِف؛ إذ يضعك في مواجهة مباشرة مع هشاشتك، مع تناقضاتك، ومع حقائق قد لا ترغب في الاعتراف بها. وفي كل مرة أكتب فيها بصدق، أشعر وكأنني أجرّد نفسي من طبقاتٍ اعتدت الاحتماء بها.
كذلك، كان من التحديات أن أجد صوتي الخاص وسط هذا الضجيج، وأن أكتب بطريقة لا تُشبه أحدًا، بل تُشبهني أنا فقط، حتى وإن كان ذلك يعني السير وحدي دون يقين.
لكن ربما التحدي الأعمق كان أن أستمر
أن أكتب رغم الشك، ورغم الشعور أحيانًا بأن الكلمات تخونني، وأن ما بداخلي أكبر من أن يُقال.
ومع ذلك، أدركت أن هذه التحديات لم تكن عوائق، بل كانت جزءًا من الرحلة نفسها، لأنها هي ما تجعل الكتابة حقيقية، لا مجرد كلمات.


8_ هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟

في بداية مشواري الكتابي، لم أكن أبحث عن تقليد أحد، بل عن ألسنةٍ تضئ الطريق وتفتح بصائر الفكر، وهنا وجدتها في أساتذتي د. محمد طارق ود. عماد رشاد عثمان.
د. محمد طارق علمني أن أكتب الواقع كما هو، أن ألمس في كلماتي ما يشعر به الناس بالفعل، دون تجميل أو مراوغة، وأن أجعل الكتابة مرآة صادقة للحياة اليومية ومشاعرها الخفية. من خلاله، تعلمت أن الصدق في التعبير هو ما يجعل النص حيًّا، يستطيع القارئ أن يرى نفسه فيه.
أما د. عماد رشاد، فكان تأثيره مختلفًا، أشبه بصفعة على الوجه توقظ من الغفلة؛ كلامه يخرجنا من أوهامنا وقواقعنا الصغيرة، ويجبرنا على مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية. علمني كيف تكون الكلمة قوية ومباشرة، قادرة على كسر الغشاوة التي نخفي وراءها مشاعرنا، وإعادة ترتيب الوعي على نحوٍ مفاجئ ومؤثر.
وبين واقعية د. طارق وجرأة د. رشاد، تشكّل أسلوبي الخاص: كتابةٌ صادقة، لكنها لا تخشى مواجهة القارئ بذاته، محاولة للكشف عن المشاعر والحقائق المختبئة، وتحويل الألم والوعي إلى كلمات يمكن لمسها وفهمها.

9_ من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟

أرى أن الأدب لا يمكن اختزاله في كونه انعكاسًا للمجتمع فقط، ولا في كونه أداة تغييرٍ مباشرة، بل هو منطقة التماس بين الاثنين؛ حيث يُولد من الواقع، لكنه لا يكتفي بنقله، بل يعيد تشكيله على مستوى الوعي.
الأدب في جوهره لا يُغيّر المجتمعات بالصخب أو القرارات، بل يعمل في الخفاء، داخل الإنسان نفسه. هو يزرع فكرة، يوقظ شعورًا، يربك يقينًا قديمًا، وربما يعيد ترتيب نظرة كاملة للحياة. ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي، لا في الخارج، بل في الداخل، حيث تتشكل القناعات.
قد يبدو الأدب أحيانًا مجرد مرآة، لكنه في الحقيقة مرآة لا تكتفي بعكس الصورة، بل تُجبرك على التحديق فيها طويلًا، حتى ترى ما كنت تتجاهله.
لهذا، أؤمن أن الأدب لا يغيّر المجتمع دفعة واحدة، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان هو اللبنة الأولى لأي تغيير ممكن.

10_ هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟

لا أعتقد أن الكتابة تشترط المعاناة بقدر ما تشترط الوعي بها. فالألم وحده لا يصنع أدبًا، بل القدرة على تأمله وفهمه وإعادة صياغته هي ما تمنحه قيمته.
نعم، الصراع الداخلي يترك أثرًا عميقًا في النص، لأنه يفتح مناطق لا يصل إليها السكون، لكن هذا لا يعني أن الإبداع لا يولد إلا من الألم.
 أحيانًا، تأتي أجمل اللحظات الكتابية من ومضة عفوية، من شعورٍ بسيط لكنه صادق، أو من لحظة صفاء نادرة يرى فيها الإنسان الأشياء بوضوحٍ مختلف.
أرى أن الكتابة الحقيقية لا تنحاز إلى المعاناة أو العفوية، بل تنبع من حالة أعمق، حالة الحضور الكامل مع الذات. حين يكون الكاتب حاضرًا بما يكفي لالتقاط ما يشعر به — سواء كان ألمًا أو هدوءًا — تتحول التجربة، أيًّا كانت، إلى مادة قابلة للكتابة.
فالإبداع، في جوهره، ليس ابن الألم وحده، ولا وليد الصدفة فقط، بل هو نتيجة تلك العلاقة المعقّدة بين الشعور والوعي، حيث يتحوّل ما نعيشه إلى معنى.

11_ متى اكتشفتِ أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديكِ؟ 

لم تكن هناك لحظة فاصلة أعلنت لي أن الكتابة تحوّلت من هواية إلى شغف، بل كان الأمر أشبه بتراكمٍ خفي؛ كأنها كانت تتسلّل إليّ بهدوء حتى أصبحت جزءًا لا يمكن فصله عني.
اكتشفت ذلك حين لم أعد أكتب لأملأ وقتًا، بل لأفهمه… حين لم تعد الكلمات خيارًا، بل حاجة داخلية لا تُقاوَم. أدركت أن الكتابة أصبحت شغفًا حقيقيًا في اللحظة التي صرتُ أعود إليها رغم كل شيء؛ رغم التعب، ورغم الفوضى، ورغم ذلك الشعور أحيانًا بأن ما بداخلي أكبر من أن يُقال.
هي لم تعد مجرد فعلٍ أقوم به، بل حالة أعيشها؛ طريقة أنظر بها إلى العالم، وأُعيد من خلالها تشكيل مشاعري وفهم ذاتي.
ربما الشغف لا يُكتشف دفعة واحدة، بل يُدرك حين يصبح الغياب عنه ناقصًا، وحين تشعر أن جزءًا منك لا يكتمل إلا به.


12_ كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟

أرى أن العلاقة بين الكاتب والقارئ ليست علاقة إرضاء بقدر ما هي علاقة كشفٍ متبادل؛ الكاتب يكتب ذاته بصدق، والقارئ يجد ذاته فيما كُتب، وكأن النص مساحة يلتقي فيها الطرفان دون موعد.
لا أكتب وفق توقعات الجمهور، لأن الكتابة التي تُولد لإرضاء الآخرين تفقد جوهرها سريعًا. أنا أكتب أولًا كفعلٍ داخلي، كاستجابة لشيءٍ يتحرك في أعماقي ويبحث عن صيغة يُقال بها. لكن paradox هذه العلاقة أن ما يُكتب بصدقٍ شديد، يصل أكثر مما يُكتب بقصد الوصول.
أؤمن أن القارئ لا يبحث عن نصٍ يُرضيه بقدر ما يبحث عن نصٍ يُشبهه، يُفسّره، أو حتى يُربكه. لذلك، حين أكون صادقة مع نفسي، أكون — دون قصد — أقرب إلى القارئ.
فالكتابة، في النهاية، ليست انعكاسًا لروح الكاتب فقط، ولا استجابة كاملة للقارئ، بل هي تلك المسافة الدقيقة بين الاثنين، حيث يتحول الصدق الشخصي إلى تجربة إنسانية مشتركة.

13_هل أنتِ راضٍ عن ما وصلت له؟

لا أستطيع أن أقول إنني راضية تمامًا، ولا أنكر في الوقت ذاته شعورًا خفيًا بالامتنان لما وصلت إليه.
أرى الرضا الكامل نوعًا من التوقّف، وأنا لا أبحث عن التوقف بقدر ما أبحث عن الاستمرار.
 هناك دائمًا مساحة أوسع يمكن أن أصل إليها، ونسخة أصدق يمكن أن أكتب بها، وهذا ما يجعلني في حالة سعي دائمة.
أنا ممتنّة لما حققته، لأنه لم يكن سهلًا، ولأنه جاء من محاولات كثيرة، من شكوك وتردّد وتجارب متراكمة.
لكنني في الوقت نفسه لا أتعامل معه كنقطة وصول، بل كنقطة بداية لشيءٍ أعمق.
ربما الرضا الحقيقي بالنسبة لي ليس في أن أصل، بل في أن أظل قادرة على السعي، دون أن أفقد شغفي أو صدقي في الطريق.

14_ أي كتاب من كتبك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟ 

لا أستطيع أن أنحاز إلى كتابٍ واحد وكأن الآخر أقل قربًا، فكل نص كتبته كان انعكاسًا لمرحلةٍ مختلفة منّي، لنسخةٍ كانت تحاول أن تفهم نفسها بطريقتها الخاصة.
لكن إن كان لا بد من الاختيار، فأظن أن «مرآة الأسيل» هو الأقرب إلى قلبي؛ لأنه لم يكن مجرد كتابة، بل مواجهة. فيه حاولت أن أضع المشاعر كما هي، دون تجميل أو هروب، وكأنني لا أكتب للقارئ فقط، بل أكشف لنفسي ما كنت أتجنّب رؤيته.
هذا الكتاب تحديدًا أشعر أنه لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يقرأ من يقترب منه، يُعيده إلى ذاته، ويضعه أمام مشاعره كما هي، واضحة وحادّة أحيانًا، لكنها حقيقية.
ربما لأنه الأكثر صدقًا، كان الأقرب.
 وربما لأنني كنت فيه أقلّ خوفًا، كان أكثر بقاءً في داخلي.

15_ ماذا يمثل لكِ وجود كتبك في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

وجود كتبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يكن مجرد حضورٍ في مكان، بل كان لحظة تجلٍ لمعنى الرحلة بأكملها. أن ترى كلماتك، التي وُلدت في عزلةٍ صامتة، تقف بين آلاف الكتب، وكأنها وجدت طريقها أخيرًا إلى العالم، هو شعور يتجاوز فكرة “الإنجاز”.
كان الأمر بالنسبة لي أشبه بانتقال النص من كونه تجربة شخصية جدًا، إلى كونه تجربة قابلة للمشاركة، قابلة لأن يلمسها الآخرون ويجدوا أنفسهم فيها. 
كأن تلك المشاعر التي ظننتها تخصّني وحدي، أصبحت فجأة جزءًا من مساحة أوسع، يتردد صداها بين غرباء لا أعرفهم، لكنهم يفهمون.
هذا الوجود لا أراه نهاية، بل لحظة وعي عميقة بأن ما نكتبه في صمت، قد يجد يومًا طريقه إلى الضجيج، لا ليضيع فيه، بل ليصنع أثره الخاص.
ربما لم يكن المعرض مجرد مكان عُرضت فيه كتبي، بل كان مساحة أدركت فيها أن الكلمة الصادقة، مهما بدأت صغيرة، قادرة على أن تصل، وتبقى. 


16_ كيف تتعامل مع النقد أو التعليقات على عملك؟

أتعامل مع النقد بوصفه مرآة أخرى، لكنني لا أسمح له أن يكون المرآة الوحيدة التي أرى نفسي من خلالها. أدرك أن كل قراءة لعملي هي انعكاس لتجربة صاحبها بقدر ما هي قراءة للنص نفسه، لذلك أستمع للنقد لا باعتباره حكمًا نهائيًا، بل بوصفه زاوية إضافية للفهم.
هناك نقدٌ يكشف لك ما لم تره، وهذا أحتفي به لأنه يوسّع وعيي ويُعمّق تجربتي. وهناك نقدٌ آخر لا يتجاوز كونه رأيًا عابرًا، وهذا أتركه دون مقاومة، لأنني لا أؤمن أن كل ما يُقال يستحق أن يُؤخذ على محمل التأثير.
تعلمت مع الوقت أن التوازن هو الأهم؛ ألا أتعالى على النقد فأفقد فرصة التطور، ولا أن أذوب فيه فأفقد صوتي.
فالكتابة، في النهاية، ليست سعيًا لإرضاء الجميع، بل محاولة مستمرة للاقتراب من ذاتي، وكل نقدٍ حقيقي هو ما يساعدني على أن أكون أكثر صدقًا، لا أكثر إرضاءً.

17_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟

أرى أن الأدب العربي لا يواجه تهديدًا بقدر ما يواجه تحوّلًا في شكله ووسائطه. فالتكنولوجيا ووسائل التواصل لم تُلغِ الأدب، بل غيّرت الطريقة التي يُكتب ويُقرأ بها، وجعلته أكثر انتشارًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر عرضة للتسرّع والاستهلاك السريع.
في هذا العصر، أصبح بإمكان أي صوت أن يُسمع، وهذه ميزة تحمل بداخلها تناقضًا؛ إذ فتحت الباب أمام تجارب حقيقية ومختلفة، لكنها أيضًا جعلت من السهل أن تختلط الأصوات العميقة بضجيج السطحية.
ومع ذلك، أؤمن أن الأدب الحقيقي لا يتأثر بالوسيط بقدر ما يتأثر بصدق كاتبه. فالنص الذي يُكتب بوعيٍ عميق سيجد طريقه دائمًا، حتى وسط هذا الزخم، لأن الإنسان — مهما تغيّرت الوسائل — سيظل يبحث عمّا يُشبهه ويُفسّره.
ربما يتغير شكل الأدب، وتختلف منصاته، لكن جوهره سيبقى كما هو: محاولة لفهم الإنسان.
ولهذا، لا أرى المستقبل مهددًا، بل مفتوحًا على احتمالات أوسع، حيث يصبح التحدي الحقيقي ليس في الوصول، بل في البقاء بعمقٍ كافٍ وسط هذا الاتساع.

18_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟

رسالتي لكل شخص يمتلك موهبة، سواء كانت في الكتابة أو أي مجال آخر، هي أن الموهبة ليست مجرد هبة تُكتشف بالصدفة، بل هي دعوة لمواجهة الذات، لمواجهة الخوف، والتردد، والأفكار التي تحاول أن توقفنا عن التعبير عن ما نملك.
الموهبة الحقيقية تتطلب الشجاعة لتكون صادقًا مع نفسك أولًا، لأن أي محاولة لتقليد الآخرين أو إرضاء توقعاتهم ستجعل صوتك يضيع وسط الضجيج. تجرّأ على أن تكتب، أن ترسم، أن تغني، أو أن تصنع، لا لتنال الإعجاب فقط، بل لتستكشف أعماقك، لتعرف من أنت، ولتخلق شيئًا لا يمكن إلا لك أن تخلقه.
تذكّر، أن كل موهبة هي مساحة صغيرة من الحرية، وعليك أن تحميها، وأن تطعمها بالصبر، بالممارسة، وبالصدق. فحين تفعل ذلك، سيجد صوتك طريقه إلى من يحتاج إليه، حتى لو لم تعرفهم، وسيصبح ما بدأت به فعلًا شخصيًا، ثم عالميًا.

19_ ما رأيك في المجلة؟ 

أرى المجلة مساحة حقيقية لتسليط الضوء على الإبداع وإعطاء الأصوات الصادقة فرصة لتصل.
 أما الحوار فكان تجربة فريدة؛ ليس مجرد تبادل أسئلة وأجوبة، بل فرصة للتأمل في مسيرتي وإعادة صياغة أفكاري، وكأنه انعكاس لما أعيشه كتابيًا وحياتيًا.

في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتبة العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة.
 كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاءت الكاتبة أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع.
 نُشكر الكاتبة المبدعة" زينب العتريسي " على وقتها الثمين ومشاركت أفكارها، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. 
وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له.

حوار: الصحفية أسماء أشرف.

إرسال تعليق

أحدث أقدم