مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة منه طلال
حين تتحول الكتابة إلى شغف حقيقي، تصبح الكلمات أكثر من مجرد حروف على الورق. وهذا ما نجده بوضوح في تجربة الكاتبة [منه طلال] ، التي استطاعت أن تخلق لنفسها أسلوبًا خاصًا يميزها بين الكثيرين. وفي هذا الحوار الخاص، نقترب أكثر من عالمه لنكتشف كيف تبدأ الحكاية.
مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:
1_لنبدأ بالتعرف علي بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلا عن نفسك؟
أنا منه طلال، طالبة بكلية الإعلام، في العشرين من عمري، من محافظة القاهرة.
الإعلام بالنسبة لي ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل هو وعي ومسؤولية ورسالة تجاه الذات والآخرين.
أميل إلى عالم الكتابة والشعر، لا من أجل الكتابة ذاتها، بل من أجل أن يكون للكلمة أثر؛ أن تلمس القارئ، وتوقظه من الداخل، أو تعيد إليه ما خفت بداخله من شعور أو معنى.
أرى أن الكتابة أعمق بكثير مما تبدو عليه، فهي ليست حروفًا تُرصّ، بل حياة تُكتب.
قلمي امتداد لعقلي، وما أكتبه هو صدى لما يسكنني من أفكار ومشاعر، فلا يكتمل العقل دون روح، ولا تكتمل الفكرة دون إحساس.
بالنسبة لي، تبقى الكتابة أكثر ما يمكن أن يكون وفيًّا في هذه الحياة.
2_ما السبب الذي دفعِك للكتابة؟
السبب الذي دفعني إلى الكتابة هو اكتشافي لما أفكر فيه، ثم محاولة تحويل هذا الفكر إلى واقع ملموس.
فالكتابة بالنسبة لي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل مساحة أرى من خلالها ذاتي بوضوح، وأعيد بها ترتيب ما بداخلي.
3_متي بدأتِ الكتابة؟
بدأت رحلتي مع التفكير والكتابة منذ فترة انتشار كورونا، كنت في الصف الثاني الإعدادي حينها. أذكر أنني جلست مع القلم والورقة وبدأت أكتب، فوجدت في ذلك شيئًا ممتعًا ومختلفًا.
ومع الوقت، أصبح هذا الشعور حقيقة بالنسبة لي، خاصة وأنا في الصف الأول الثانوي.
أتذكر موقفًا في حصة المسرح أو النشاط التربوي، حين طلبت مني المدرسة التربوية أن أقف وأحكي قصة كنت قد كتبتها بعنوان “أوليفيا والمسؤولية”.
وقتها كان زملائي يستمعون إليّ، وكذلك المدرسة، وكان ذلك الموقف بالنسبة لي بداية مختلفة شعرت فيها أن للكتابة صوتًا يصل للآخرين.
4_ وكيف اكتشفتِها؟
في فترة جائحة كورونا، كان من في سني يفرحون بالإجازة وتوقف الدراسة، أما أنا فكنت أرى في ذلك شيئًا مختلفًا.
أذكر أنني اكتشفت حينها عالمًا جديدًا بالنسبة لي، وهو الكتابة.
5_ما هي رسالتك التي تريدِ أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟
كن كما أنت، ولا تكن كما يريدك الآخرون، ما دمت على صواب.
ابتعد عن كل ما يسبب لك الإحباط، وافعل الخير تجده أمامك، وكن أمينًا في أفعالك.
تجنّب التهويل والتكبر، وكن ذا قلبٍ رحيم بالآخرين.
فالخير الذي تقدمه سيعود إليك، حتى إن تأخر.
لا تعش دور الضحية، بل كن واعيًا وصادقًا مع نفسك.
6_هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب أو الشعراء؟
بالطبع، الشاعر إيليا أبو ماضي، من الشعراء الذين أعتز بهم، وله نصوص عميقة ومؤثرة.
ومن أجمل ما كتب هذا النص:
جئتُ لا أعلم من أين، ولكنّي أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدّامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري
أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجود؟
هل أنا حرٌّ طليقٌ أم أسيرٌ في قيود؟
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود؟
أتمنى أنني أدري، ولكن لستُ أدري
وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائرُ في الدرب أم الدرب يسير؟
أم كلانا واقفٌ والدهر يجري؟ لستُ أدري
لَيتَ شعري، وأنا في عالم الغيب الأمين...
__________________________
يوضح النص الشعري لإيليا أبو ماضي أن الإنسان يعيش دائمًا في حالة تساؤل، ليس عن اللحظة التي يعيشها الآن، بل عن الغد وما قد يحمله. وهي إشكالية تستحق التأمل؛ لأن كثيرًا من الناس ينشغلون بالمستقبل وكيف سيكون، بدلًا من العيش في الواقع.
فيفقد الإنسان أحيانًا قدرته على حضور اللحظة الحالية بوعي وهدوء، ويبتعد عن معنى “اليقظة الذهنية”، فيصبح إما أسيرًا للماضي، أو منشغلًا بما لم يحدث بعد.
وهكذا تضيع قيمة اللحظة، رغم أنها الحقيقة الوحيدة التي نعيشها الآن.
7_هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟
الكتابة لا تحتاج إلى معاناة، ولا إلى صراع.
الكتابة هي أن تمسك قلمك، ثم يترك شعورك وتفكيرك أثرهما على الورق تلقائيًا.
أن تكتب ما يدور بداخلك كما هو، دون تكلف أو محاولة لأن تكون شخصًا آخر.
هذه هي الكتابة الحقيقية، ليست صراعًا، بل تدفقًا صادقًا لما نشعر به ونفكر فيه.
8_ متى اكتشفتِ أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديكِ؟
الكتابة هي المكان الذي أذهب إليه دائمًا، وكأنها المساحة الوحيدة التي أجد فيها نفسي بكل وضوح.
9_كيف تتعامل مع النقد؟ وهل له تأثير في تطوير أسلوبك الكتابي؟
أعتقد أن النقد، أو ما يُعرف بـ “Feedback”، يجب أن يكون حاضرًا في حياتنا؛ لأنه يساعدنا على اكتشاف نقاط الضعف والعمل على تحسينها.
لكن ليس كل نقد يستحق أن نمنحه اهتمامنا الكامل، فبعض الآراء تُقال دون وعي أو فهم حقيقي.
لذلك، تبقى القيمة الحقيقية في النقد الذي يُقال بصدق ووعي، لا لمجرد التقليل أو إصدار الأحكام على الآخرين.
10_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟
أرى أن مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي قد يكون جيدًا جدًا، إذا أحسنّا استغلال هذا التطور دون أن يؤثر ذلك على الهوية الحقيقية للأدب.
فوسائل التواصل أصبحت مساحة للنشر والانفتاح والوصول إلى عدد أكبر من الناس، وقد تساهم في إعادة اهتمام الأجيال الجديدة بالقراءة، خاصة في وقت أصبح فيه كثير من الشباب بعيدين عنها.
ومع مشاركة الكتابات على الصفحات الشخصية أو عرض الكتب عبر المنصات المختلفة، سيجد الكاتب من يهتم بما يقدّمه ويقدّر فكره.
لكن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين أو الانتشار فقط، بل بجوهر الكلام وعمق المعنى الذي يصل إلى الناس.
وأرى أنه إذا استُخدم عصر التطور التكنولوجي بشكل صحيح، فستبقى الكتابة بارزة وحاضرة كما كانت دائمًا، مهما تغيرت الوسائل.
11_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟
أي شخص يمتلك موهبة يجب عليه أن ينميها ويطورها باستمرار، حتى يصل إلى مستوى الإتقان.
فالموهبة ليست مجرد استعداد، بل هي عمل وتدريب وممارسة متواصلة تجعل الإنسان أكثر مهارة.
ولا تهتم بمن يقول لك إن الأمر صعب أو مستحيل، بل صدق نفسك، وواصل العمل، وستصل في النهاية إلى ما تريد.
12_هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟
أنا راضية تمامًا، والحمد لله على كل ما أنا فيه.
13_ما رأيك في المجله؟
المجلة، مجلة مرموقة ومتميزة، تهتم بدعم الكُتّاب في مختلف أشكال الإبداع، سواء في الكتابة أو الشعر أو المقالات أو البودكاست، إضافة إلى المسابقات.
وهي منصة حقيقية ذات أثر واضح، تترك بصمة لا تُنسى في دعم المواهب وإتاحة مساحة للتعبير والإبداع.
أعجبني هذا الحوار معكِ، وأتمنى لكِ التوفيق.
في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتبة العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاءت الكاتبة أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتبة المبدعة"منه طلال" على وقتها الثمين ومشاركت أفكارها، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."
حوار : الصحفية أسماء أشرف



