حوار صحفي مع الكاتب محمود لطفي

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتب محمود لطفي 


في عالم الأدب، حيث تتلاقى الكلمات مع الأحاسيس وتنسج القصص عالمًا من الخيال والواقع، نجد أن بعض الكتاب لا يكتفون بمجرد كتابة الحروف، بل يبثون في أعمالهم نبضًا من الإبداع الذي يتسلل إلى قلوب قرائهم. اليوم، نحن على موعد مع أحد هؤلاء الكتاب الذين أثبتوا جدارتهم في صنع القصص التي تُحاكي الواقع وتُلهب الخيال. 
في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على رحلة الكاتب المبدع [ محمود لطفي]، الذي قدم لنا العديد من الأعمال الأدبية التي شكلت نقطة فارقة في عالم الأدب. نلتقي به اليوم للحديث عن مشواره، مصدر إلهامه، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو الإبداع."

مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:


1_ لنبدأ بالتعرّف على بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلًا عن نفسك؟

 محمود لطفي، كاتب ومهندس واستشاري بيئي مصري.38مواليد شربين محافظة الدقهلية. 

2_ما الذي دفعك للكتابة؟ 

ما دفعني إلى الكتابة هو شعور متراكم بأن هناك أشياء كثيرة بداخلي تحتاج إلى أن تُقال خصوصًا لأني شخص غير اجتماعي، ولم أجد وسيلة أوضح للتعبير عنها. كانت الكتابة في البداية محاولة لفهم نفسي وترتيب أفكاري، خاصة تلك التي بدت دائمًا متشابكة.
ومع الوقت، أصبحت وسيلة أرى من خلالها الأمور بشكل أوضح، وكأنني أنظر إلى حياتي من الخارج. لذلك لم تعد الكتابة مجرد تعبير، بل صارت طريقًا لمحاولة الفهم من خلال طرح تساؤلات.

3_متي بدأت الكتابة؟ 

بدأت الكتابة منذ التحاقي بأسرة الصحافة والإعلام في المدرسة الإعدادية.

4_ما هي إنجازاتك؟ 

الفوز بالمركز الأول في مسابقة جورناس للكتابة عام ٢٠١٧. كنت من الفائزين في مسابقة كتبنا في أسبوع اللغة العربية عام ٢٠١٧ في فئة المقال وتم نشر الأعمال الفائزة في كتاب صدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠١٨. 

شاركت في أكثر من مسابقة للقصة القصيرة إلى أن فازت قصتي «مناقشة علنية» في مسابقة «كتبنا للكتابة الأدبية» في 2019 ونشرت الأعمال الفائزة في كتاب مجمع في 2020. بعدها شاركت في مسابقة «كتبنا» بعنوان «زمن الكوارنتين» وفازت قصة «أبي» ونشرت الأعمال الفائزة في كتاب مجمع في 2020.
انضممن للورشة الأساسية لكتابة القصة القصيرة المنظمة من دار هن للنشر والتوزيع وتبعها بالورشة المتقدمة والتي نتج عنها المجموعة القصصية «الركض في الظلام» وذلك بأربع قصص قصيرة: النافذة، الخلخال، نجمتان، في التاسعة والثلاثين.

ثم نشرت أول عمل بحمل اسمي وهو مجموعة قصصية بعنوان «صديق شاكيرا بالمراسلة»، ثم مجموعة قصصية بعنوان «التحدث إلى شوبنهاور ليلًا»، وأخيرًا رواية «بيوت مؤقتة».
*رواية «بيوت مؤقته» هذه الرواية ليست قصة تقليدية عن الحب أو النجاح أو الفشل، بل رحلة داخل أعماق إنسان يبحث عن شيء واحد طوال حياته: السكينة.
بطل الرواية — وهو راويها بضمير المتكلم — رجل في منتصف الثلاثينات، يعيش صراعًا داخليًا طويلًا مع مفهوم "البيت" والانتماء. تبدأ رحلته منذ طفولته في بيتٍ بسيط لا يشعر فيه بالأمان، مرورًا بمراهقته المليئة بالتنمر والوحدة، وتجارب الحب الأولى التي انتهت بالخيبة، ثم زواجه الذي تحول إلى نفورٍ وانفصال، وانتهاءً بطلاقٍ تركه وحيدًا في مواجهة ذاته.
يحاول البطل طوال الرواية أن يعوّض هذا الفراغ: يشتري شقة تمليك، يسافر إلى بلدان عديدة، ينام في أفخم الفنادق، يجرب الجنس العابر، الكحول، التدخين… لكنه لا يجد ما يبحث عنه. كل التجارب تفشل في منحه الراحة التي يفتقدها منذ طفولته.
مع تقدم الأحداث، تتصاعد الأسئلة الوجودية داخله: ما معنى البيت؟ ما معنى النوم؟ ما جدوى المال؟ هل يحبني ابني حقًا؟ هل سيفتقدني بعد موتي؟ وتتطور فكرة "البيت" من مجرد جدران وسقف إلى رمزٍ عميق للانتماء والسكينة والذاكرة.

4_ما هي رسالتك التي تريد أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟

طرح الأسئلة لمحاولة فهم الإنسان. ما الذي نبحث عنه حقًا في رحلتنا القصيرة في هذا العالم؟

5_ما هي أهتمامتك غير الكتابة؟ 

أنا شخص متعدد الاهتمامات، أحب القراءة في مختلف المجالات، تعلم اللغات، المسرح، الغطس، الطهي، السفر، الموسيقى.


6_ من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟

في البداية أمي، ثم أستاذي الكاتب والصحفي حسام مصطفى إبراهيم، وأخيرًا وليس آخرًا زوجتي وصديقتي منى مجدي.

7_ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟

من أكبر التحديات التي واجهتني أثناء الكتابة كان الحفاظ على الاستمرارية، خاصة مع تذبذب الحافز وضغط الحياة اليومية. كذلك كان من الصعب أحيانًا تحويل الأفكار المجردة والمشاعر المعقّدة إلى نص واضح ومقنع دون أن تفقد عمقها.
تحدٍّ آخر كان الشك في جودة ما أكتب؛ ذلك الصوت الداخلي الذي يطرح تساؤلات مستمرة حول قيمة النص.

8_ هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟

تأثّرت بكل من قرأت لهم، سواء من الكتّاب الراحلين أو المعاصرين، لكن لا يمكنني تحديد مواضع هذا التأثّر في كل نص، لأنني لا أتعمد إظهاره. وأعتقد أن أبرز ما يظهر في كتابتي هو اللمسة الساخرة اللاذعة، تأثرًا بأستاذنا الراحل د. أحمد خالد توفيق.

9_ هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟

في رأيي، يقع الإبداع غالبًا في المنطقة الوسطى بين الاثنين؛ فالعفوية تمنح الشرارة الأولى، بينما تضفي المعاناة أو الخبرة العمق. والكاتب المميز هو من يلتقط تلك اللحظة، ثم يصقلها بالخيال حتى تتحول إلى نص حي.
كما أن التأثر بالمعاناة الشخصية فقط قد يجعل النص أكثر ذاتية.

10_ كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟

أرى أن علاقة الكاتب بالقراء علاقة تفاعل لا تبعية؛ فالكاتب يكتب أولًا من صوته الداخلي، لكن هذا الصوت يكتمل حين يجد صداه لدى القارئ. وبمجرد نشر العمل، يصبح ملكًا للقارئ لا للكاتب؛ يقرؤه ويحلّله، وتصل إليه مشاعر مختلفة، وتُثار بداخله تساؤلات يسعى إلى البحث عن إجابات لها.
لذلك أكتب انطلاقًا من ذاتي، لكن بوعي بالقارئ؛ أقدّم تجربة صادقة يمكن أن يتقاطع معها الآخرون، دون أن أفرّط في نبرة صوتي الخاصة أو أذوب في توقعاتهم.

11_هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟

الحمد لله، وأسعى للأفضل.


12_ متى اكتشفت أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديك؟

 سؤال صعب، وليس لدي إجابة حاسمة. أظن أن الشغف بالكتابة بدأ منذ التحاقي بأسرة الصحافة والإعلام، وكان السبب الرئيسي أن مشرفي النشاط وزملائي كانوا يتحركون بالشغف نفسه. لم أهتم بالاستمرار في النشاط نفسه في المرحلة الثانوية، لأنني شعرت أن الأمر أصبح واجبًا لا يحركه الشغف.
مررت بتقلبات منذ تلك الفترة؛ كتابة ثم توقف، ثم عودة مرة أخرى، بسبب عدم وجود دعم من الأصدقاء.
اكتشفت أنه شغفي الحقيقي عندما قررت، في عام ٢٠١٧، أن أعود إلى الكتابة دون توقف، ودون انتظار دعم من أحد. بدأت طريقي دون التفات، إلى أن رأيت أولى ثمار السعي.

13_ كيف تتعامل مع النقد أو التعليقات على عملك؟

كما أوضحتُ، فإن العمل، بعد نشره، يصبح ملكًا للقارئ؛ يفسّره وفق رؤيته، ويتذوّقه بحسب قناعاته، ولذلك من الطبيعي أن تتباين الآراء. أحرص على نشر كل نقد يخص أعمالي وأحترمه، ما دام موجّهًا للنص لا للشخص. ولا أرى فائدة للكاتب في الانشغال بما يتجاوز ذلك.
وقد اكتفيتُ بكتابة رد عام بعنوان «عن المرفوض في بيوت مؤقتة»، أوضحتُ فيه وجهة نظري حول مشهد حميمي في الرواية، رأى بعضهم أنه مقحم وغير ضروري، بينما أراه مؤثرًا في سير الأحداث. وكان هدفي التوضيح فقط، دون انتقاد أو انتقاص من أي رأي.

14_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟

أرى أن مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي يحمل فرصًا وتحديات في آنٍ واحد. فمن جهة، أتاحت هذه الوسائل مساحة أوسع للنشر والوصول إلى جمهور أكبر، وكسرت الحواجز التقليدية أمام الكتّاب الجدد. ومن جهة أخرى، فرضت إيقاعًا سريعًا قد يؤثر أحيانًا في عمق التجربة الأدبية ويشجّع على الاستهلاك السريع للنصوص.

ورغم ذلك، أعتقد أن الأدب سيظل قادرًا على التكيّف؛ فالقيمة الحقيقية للنص لا ترتبط بالوسيط بقدر ما ترتبط بصدقه وعمقه. التكنولوجيا قد تغيّر الشكل وطرق الوصول، لكنها لا تلغي جوهر الكتابة.

أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فقد أصبح أداة مؤثرة في عملية الكتابة، سواء كمساعد في توليد الأفكار أو في التحرير والصياغة. لكن هذا يطرح تساؤلات حول الأصالة وحقوق الملكية الفكرية، مما يستدعي وضع أطر واضحة لتنظيم استخدامه، بحيث يظل داعمًا للإبداع لا بديلًا عنه، ويحفظ للكاتب هويته وصوته الخاص.

15_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟

لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ، ولا تجعل الخوف من عدم الكمال يوقفك.

طوّر نفسك باستمرار، تقبّل النقد، وامنح موهبتك الوقت الكافي لتنضج. 

مهم أن تظل صادقًا مع ما تقدّمه، لأن ما يخرج بصدق يصل، مهما كان بسيطًا في بدايته.

16_ما رأيك في المجلة؟ 

أتمنى التوفيق للمجلة والقائمين عليها، وسعيد بالحوار.


في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. 
كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع.
 نُشكر الكاتب المبدع" محمود لطفي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. 
وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."

حوار : الصحفية أسماء أشرف.

إرسال تعليق

أحدث أقدم