مجلة قعدة مُبدعين
الكرسي الذي لا ينتظره أحد
في آخر الصف الدراسي كان هناك كرسي هادئ…كرسي لا يتغير مكانه، ولا يلتفت إليه أحد كثيرًا.
ذلك الكرسي كان دائمًا لعمر.
لم يكن أكثر الأطفال كلامًا، ولا أكثرهم ضحكًا، لكنه كان الأكثر فهمًا للصمت.
حين يدق جرس الانصراف، يتحول باب المدرسة إلى مهرجان من العناق والنداءات.
أمهات يفتحن أذرعهن، وآباء يحملون حقائب صغيرة كأنها كنوز.
أما عمر… فكان يقف قليلًا بعيدًا.
لا يبحث عن أحد، بل ينتظر أن ينتهي المشهد.
خرجت المعلمة خلفه يومًا وسألته برفق:
— ألا يأتي أحد ليأخذك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
— الطريق يعرفني… وأنا أعرفه.
لم تكن إجابة طفل… بل اعتراف قلب اعتاد الاعتماد على نفسه مبكرًا.
في الفسحة، كان يخفي نصف طعامه داخل الحقيبة.
وحين سُئل لماذا، قال ببساطة:
— الليل طويل أحيانًا.
وذات مرة سقط أثناء اللعب.
نظر حوله سريعًا… لا ليطلب المساعدة، بل ليرى إن كان هناك من سيخاف عليه.
لم يركض أحد.
نهض وحده، نفض الغبار عن ملابسه، وهمس لنفسه:
— عادي… أنا اتعودت.
اليتيم لا يؤلمه غياب الأشياء…بل غياب الشعور بأنه مهم عند أحد.
يكبر سريعًا، يتعلم أن يربت على قلبه بنفسه،وأن يحتفل بنجاحه بصمت، وأن يخفي حزنه لأن لا أحد يسأل عنه في الأيام العادية.
ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا لا يحتمل التأويل:
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.
لم يقل الله أطعمه فقط…ولا ألبسه فقط…بل نهانا عن كسر قلبه، عن تجاهله، عن أن نجعله يشعر أنه زائد عن العالم.
لذلك…لا تجعلوا زيارتكم للأيتام مناسبة سنوية أو صورة عابرة.
لا تذهبوا إليهم في جمعة اليتيم ثم تختفون.
اذهبوا إليهم دائمًا…اسألوا عنهم في الأيام العادية،كونوا الوجوه التي لا ترحل سريعًا.
فبعض الأطفال لا ينتظرون الهدايا…بل ينتظرون إنسانًا يبقى.
بقلم: الكاتب يوسف سليم.





