حين يصبح الإنسان غريبًا عن حياته
هناك لحظة لا ينتبه إليها الإنسان، لكنه يبدأ فيها بالابتعاد عن حياته دون أن يغادر مكانه. يستيقظ كل صباح، يذهب إلى عمله أو دراسته، يتحدث مع الآخرين، ينجز ما عليه، ويبدو من الخارج وكأن كل شيء يسير بصورة طبيعية، بينما يشعر في داخله أنه مجرد شخص يؤدي دورًا اعتاد عليه.
أصبحنا نعيش أيامنا بطريقة تشبه التكرار؛ نستيقظ لنلحق بما فاتنا، ونعمل لنصل إلى ما نريده، ونؤجل الأشياء التي تمنحنا السعادة بحجة أن الوقت لم يحن بعد. نؤجل لقاءات نحبها، وأحلامًا نشتاق إليها، وحتى لحظات الراحة البسيطة، وكأن الحياة ستنتظر حتى ننتهي من كل شيء.
لكن الحقيقة التي نتجاهلها أن الأشياء لا تنتهي. كلما تجاوزنا مرحلة ظهرت أخرى، وكلما وصلنا إلى هدف اكتشفنا أن هناك هدفًا جديدًا ينتظرنا. وبين هذا الركض المستمر، قد تمر سنوات دون أن نتذكر متى كانت آخر مرة شعرنا فيها بأننا نعيش فعلًا، لا أننا نكتفي بأداء واجبات الحياة.
المشكلة ليست في الطموح، ولا في السعي إلى مستقبل أفضل، بل في أن يتحول المستقبل إلى المكان الوحيد الذي نسمح لأنفسنا بالسعادة فيه. فنظل ننتظر النجاح لنفرح، والاستقرار لنطمئن، وتحقيق الأحلام لنشعر بقيمة ما نفعله، حتى ننسى أن أعمارنا لا تُقاس فقط بما نصل إليه، بل بما نشعر به ونحن في الطريق.
ربما نحتاج إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بالحياة، وأن نتوقف قليلًا عن التعامل مع أيامنا باعتبارها محطات عبور إلى يوم أفضل. فليس من الضروري أن يكون كل يوم إنجازًا، وليس كل وقت فراغ ضائعًا، وليس كل تأخير فشلًا.
في النهاية، قد ننجح في الوصول إلى المكان الذي حلمنا به، لكن السؤال الأهم: هل سنكون قد استمتعنا بالطريق بما يكفي، أم سنكتشف أننا قضينا العمر كله نستعد للحياة دون أن نعيشها؟
لا تجعل حياتك مشروعًا مؤجلًا إلى إشعار آخر؛ فأنت لا تعيش غدًا، أنت تعيش الآن.