حوار صحفي مع الكاتب|| محمد عصام الدين.

محمد عصام الدين لقعدة مبدعين : الكلمة هي الوحدة الأولى للجمال ....حوار خاص 
في عروس البحر الأبيض المتوسط وُلدت تجربة الكاتب السكندري محمد عصام الدين، الذي يتخذ من الكتابة رحلةً لاكتشاف الذات والعالم، ومن الجمال بوصلةً تقوده بين القصة والرواية والمسرح وأدب الطفل والمقال. تتجاور في تجربته الفلسفة والدهشة، ويلتقي فيها وعي الكاتب بمسؤوليته تجاه المجتمع، وإيمانه بأن الأدب ليس انعزالًا عن الحياة، بل اشتباكٌ واعٍ مع تفاصيلها وأسئلتها الإنسانية.

وفي حوارنا معه بمجلة "قعدة مبدعين"، نقترب من ملامح تجربته الإبداعية في، كما نتعرف على علاقته بالمسرح، ورحلته في الكتابة للكبار والأطفال، وكيف أضافت الأبوة بُعدًا جديدًا إلى عالمه. ونتوقف معه عند رؤيته للمشهد الثقافي المعاصر، ومشاريعه القادمة، ونصيحته لكل كاتب شاب يبحث عن صوته الخاص؛ في حوارٍ نفتح فيه أبوابًا متعددة على عالم يؤمن بأن الكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي، في جوهرها، الوحدة الأولى للجمال.


1. محمد عصام الدين، اهلا بك في مجلة "قعدة مبدعين" . هل يمكن أن تعرف رواد المجلة عنك عن قُرب؟

أهلاً بكِ، بدايةً أود أن أعبر عن سعادتي بإجراء هذا الحوار معكِ بمجلة "قعدة مبدعين"، ثم أنني دائمًا ما عانيت في إيجاد تعريفًا عن نفسي، خاصةً وإن كان عن قرب، ولكن يمكنني القول: بأنني كاتب، مصري سكندري، أحب الكتابة والتجريب في شتى القوالب الأدبية من القصة والرواية، المسرح والمقال، الشعر وأدب الرسائل، تخرجت في كلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم الآثار اليونانية والرومانية.

2. دعنا نبدأ من النقطة التي تخرج منها كل الحكايات الجميلة.. الإسكندرية. كيف شكلت هذه المدينة روحك واستطاعت أن تكون مرأة لتجربتك؟

للإسكندرية خصوصية؛ حيث أنها تجمع _إلى جانب رسمها الجغرافي الشبكي، والبحر الذي يميزها_ عدة طبقات حضارية، فتحتوي المدينة بين طياتها، حضارتها المصرية واليونانية والرومانية إلى جانب الحضارة القبطية والإسلامية، لتصبح وحدها عالمًا متكاملاً، كما أن البحر شكّلها وجدانيًا، وشكّلني معها، فالبحر بين الهدوء والغضب، لا أراه تناقضًا، قدرما أراه تنوعا ومساحة للاحتمالات، كذلك ما ذكرته عن تنوع مصادر المدينة الحضارية، جعلت العقل مدربًا على تلقي التنوع وقبول الاختلاف، فانطلقت تجربتي الكتابية من اتساع الرؤية الجمالية للمدينة والبحر معًا.

3. كيف انعكست دراستك للآثار اليونانية والرومانية على طريقتك في كتابة وتأمل الحياة؟

أثرت دراستي للآثار والأدب اليوناني والروماني رؤيتي للحياة، فالآثار اليونانية تمتاز بالمرونة والجمال، والأدب اليوناني يمتاز بالفلسفة والسحر، فأصبحت أنتهج الكتابة كبحث دائم عن الجمال، مستعينًا بالفلسفة، ومتشابكًا مع سحر الحياة.

4. مسيرتك تشهد تنوعًا جميلًا؛ كتبت وأخرجت مسرحًا للكبار، ومسرحًا للطفل، وكذلك لذوي الهمم . ما الذي يمثله المسرح بالنسبة لك مقارنة بالكتابة السردية؟ وكيف تختلف طريقتك في توجيه الكلمة لجمهور بخصوصية مسرح ذوي الهمم؟

المسرح أبو الفنون، من حيث القدم ومن حيث الشمول السردي والحواري والشعري، وهو اللون الأدبي الذي يشتبك بقوة مع الجماهير، ومن هنا تأتي أهميته ودوره الاجتماعي، والعمل في مسرح الطفل هو نوع من الرعاية الأدبية للنشأ، والعمل مع ذوي الهمم هو نوع من المسؤولية الاجتماعية تجاههم.

5. هل أثرت الأبوه على كتابتك، وكيف استطعت أن توظف هذا الإحساس؟ 

بالتأكيد، أثرت الأبوة على حياتي كلها، ليس فقط الكتابة، أصبح القلم أكثر ثقلاً بحمله طفلتي، أصبحت هي قارئتي الأولى، الذي أكتب لأجلها، حتى وإن كانت لا تعرف القراءة بعد، لكنني أكتب لها، حتى تقرأني مستقبلاً.

6. ذكرت أن مشروعك الأدبي يرتكز على محورين أساسيين: الأدب القصصي /الروائي، وأدب الطفل. ولديك مجموعتان قصصيتان مع "دار روافد"، كيف تدير هذه الثنائية في ذهنك ككاتب؟

لا أرى أي انفصال بين المسارين، الكتابة الروائية والقصصية هي مشروعي الذي أحاول أن أتلمس من خلاله وجودي في هذا العالم، والكتابة للطفل هي مشروعي الذي أستطيع أن أكتشف من خلاله جمال العالم مستعينًا بدهشة الأطفال.


7. إلى جانب السرد والمسرح، لك إسهامات مقالية في "الأخبار اللبنانية" و"خط 30". ما الذي يمنحه لك المقال، وكيف ترى دور الكاتب في الاشتباك مع هموم الواقع؟ 

المقال فن مباشر، يضيف إلى كتابتي الأدبية الاشتباك مع الواقع وهمومه، والأدب يضيف إلى المقال العمق والشعرية، وأكثر ما يمنحني أياه المقال هو القدرة على التقاط التفاصيل في الحياة اليومية والاجتماعية، ولا يجعلني منعزلاً في برج عاجي، أو منفصلاً عن واقعي.
8. ما هي مشاريعك القادمة؟

في تلك المرحلة، أنا بصدد عدة مشاريع أدبية وفنية، في الأيام القادمة ستصدر مجموعتي القصصية الثالثة، وبعد أشهر سأطلق روايتي، إلى جانب كتاب في أدب الطفل قيد التطوير والمراجعة، كما أنني سوف أعود إلى المسرح بعرض للأطفال.

9. الإمتنان من صفات المبدعين كما أنه من أشكال الحمد "فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله".. لمن تمتن في مشوارك الأدبي؟ 

صدقتِ، كما أنني ممتن لكِ لإجراء هذا الحوار الثري، فأنا ممتن في مشواري الأدبي للجمال الذي صادفته في حياتي، للكتب التي رافقتني في وحدتي، وللدهشة التي رافقتني طوال حياتي، وممتن لعائلتي ولأصدقائي، وكل الامتنان لابنتي الصغيرة التي تلهمني دائما بجمالها المطلق، ولزوجتي الحبيبة التي رتبت فوضى حياتي وتحملت أحوالي وآمنت بي.

10. بماذا تصف المشهد الثقافي اليوم ؟

على عكس الحكم الشائع بشكل سطحي بأن المشهد الثقافي مترديًا، أرى المشهد الثقافي المصري والعربي غنيًا، كتاب وكاتبات موهوبون، آلاف من محاولات التجريب بأصوات الشباب، أصبح المشهد الثقافي أكثر تفاعلاً بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي الذي تجاوز محركات البحث التقليدية، وأرى أن وجود تقنيات ثقافية حديثة تتجاوز الأشكال التقليدية للثقافة تخدم بشكل ما دفعها إلى الأمام، فأصبح لدينا الآن برامج يوتيوب لتبسيط العلوم ومراجعات الكتب والسينما، ووفرت المنصات الإلكترونية قراءة أصوات مختلفة في المقال وفي النصوص الأدبية.

11. إذا أردنا منك كلمة لكل شاب يكتب اليوم ويبحث عن صوته الخاص في زحام المشهد الثقافي، ماذا ستكون؟

الكاتب أشبه بقرصان يبحث عن الكنز، رحلة طويلة سعي دائم، يتعلم من خلالها ما هو أهم من الوصول إلى ذلك الكنز والذي يمثل للكاتب «التحقق»، اكتب جملة واحدة صادقة وستجد التدفق السردي، وعليك أن تكون ملتزمًا بالكتابة، اكتب يوميًا ولا تنتظر الإلهام، فالإلهام دائما يأتي للمخلصين للكتابة.

12. هل يمكن أن نرى محمد عصام الدين يكتب جنس أدبيًا مختلفًا عن الرواية والقصص والمسرح ؟

لا أستبعد أن أكتب الشعر يوما ما، فلقد كانت لي بعض المحاولات الأولى التي لم أنشرها، كما أنني أحب الشعر وأرى فيه تكثيفا للجمال.

13. ما هي الكلمة بالنسبة لك ؟

الكلمة هي الوحدة الأولى للغة وللأدب، والأدب تشكيل جمالي مادته اللغة. وبذلك تكون الكلمة هي الوحدة الأولى للجمال.


14. اذا أردنا نص من إبداعك تهديه لرواد المجلة؟

أهدي إلى رواد المجلة مقالي المنشور بالأخبار اللبنانية بعنوان «الكاتب كقرصان يبحث عن الكنز»، حيث أن المقال مهموم بالكتابة والأدب والقراءة والإبداع.

15. ما رأيك في هذا الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟

أحببت هذا الحوار وسعدت به وبتلك الاستضافة الكريمة، وعندما اطلعت على مجلة قعدة مبدعين وجدتها غنية بموضوعات حية وصادقة، أتمنى للقراء ولرواد المجلة أن يكون الحوار خفيفًا على قلوبهم، وأتمنى كل النجاح للمجلة ولفريق العمل، مع محبتي الصادقة.


وفي نهاية هذا الحوار، نكتشف أن تجربة محمد عصام الدين تتجاوز حدود الكتابة بوصفها فعلًا إبداعيًا، لتصبح رحلةً مستمرة في البحث عن الجمال وفهم الحياة واكتشاف الإنسان. فبين سحر الإسكندرية، ودهشة الطفل، وعمق الفلسفة، يواصل الكتابة مؤمنًا بأن الإبداع رحلة لا تنتهي، وأن الوصول إلى الصوت الخاص يبدأ بالصدق والمثابرة والشغف. شكرًا للكاتب محمد عصام الدين على هذا الحوار الممتع، وعلى ما حمله من رؤى ملهمة حول الأدب والكتابة والحياة، مع خالص تمنياتنا له بمزيد من الإبداع والتألق، وأن تظل كلماته جسورًا تعبر بنا نحو عوالم أكثر جمالًا ودهشة وعلى وعدٍ بالقاء آخر.


حوار بقلم :يمنى أبو السباع

إرسال تعليق

أحدث أقدم