حين تخوننا ذاكرتنا… لماذا نشتاق إلى من آذونا؟
أحيانًا لا نشتاق إلى الأشخاص كما كانوا، بل إلى النسخة التي تمنينا أن يكونوا عليها.
الغريب في بعض العلاقات أننا نعرف جيدًا كم أتعبتنا، ونتذكر الليالي التي قضيناها نحاول فهم ما حدث، والكلمات التي تركت فينا ندوبًا لا يراها أحد، ومع ذلك، حين يغيب أصحابها، نجد أنفسنا نشتاق إليهم. ننتظر رسالة منهم، نعيد قراءة محادثات قديمة، ونسترجع لحظات جميلة، كأن عقولنا قررت أن تمنح الذاكرة حق اختيار ما تتذكره، وأن تترك الألم خارج الصورة مؤقتًا.
فلماذا يحدث ذلك؟ كيف يمكن للإنسان أن يشتاق إلى مصدر ألمه؟
الحقيقة أن المشاعر لا تعمل دائمًا بالمنطق الذي نتوقعه. فالعلاقة التي منحتنا لحظات من القرب والأمان، حتى لو تخللتها فترات طويلة من الخذلان، قد تترك ارتباطًا عاطفيًا يصعب الانفصال عنه. نحن لا نتعلق بالألم نفسه، بل بالمعاني التي ارتبطت بالشخص، وباللحظات التي شعرنا فيها أننا مهمون، ومفهومون، ومحبوبون.
وأحيانًا، لا يكون ما نفتقده هو الشخص الحقيقي، بل تلك النسخة التي عرفناها في البداية، أو الصورة التي رسمناها له في خيالنا، أو المستقبل الذي بنيناه معه قبل أن تكشف لنا الأيام أنه لم يكن كما تمنينا.
وهنا تبدأ الحيرة: هل نشتاق إلى من كان يؤذينا، أم إلى ما كنا نأمل أن نجده معه؟
قد تساعدنا الذاكرة الانتقائية على فهم جزء من هذه الحيرة، إذ يمكن لبعض الذكريات الإيجابية أن تصبح أكثر حضورًا في لحظات الوحدة والحنين، بينما يتراجع حضور التفاصيل المؤلمة مؤقتًا. لكن هذا لا يعني أن الذاكرة تخدعنا دائمًا، ولا أن كل اشتياق دليل على علاقة مؤذية. إنه يعني فقط أن المشاعر الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تختصر في قرار بالرحيل أو البقاء.
وثمة شيء آخر قد يجعل الفراق صعبًا: الأسئلة التي بقيت بلا إجابة.
لماذا تغير؟ لماذا منحني الأمان ثم سحبه؟ لماذا جعلني أشعر أنني استثناء، ثم عاملني كأنني لم أكن يومًا جزءًا من حياته؟
أحيانًا نظل متعلقين بهذه الأسئلة أكثر من تعلقنا بالشخص نفسه. ننتظر اعتذارًا يعيد ترتيب ما حدث داخلنا، أو تفسيرًا يجعل التجربة أقل إيلامًا، أو موقفًا أخيرًا يثبت أن كل ما شعرنا به لم يكن وهمًا. وقد نقضي وقتًا طويلًا في انتظار إجابة من الشخص الذي تسبب في حيرتنا، متناسين أن بعض الإجابات لا تأتي أبدًا، وأن التعافي لا ينبغي أن يظل معلقًا على اعتراف من أحد.
والمؤلم أن الاشتياق قد يجعلنا نساوم على أشياء لم نكن نظن أننا سنتنازل عنها يومًا. نبرر الغياب، نقلل من أثر الكلمات، ونقنع أنفسنا بأن اللحظات الجميلة تستحق أن نتحمل من أجلها كل هذا التعب.
ومع الوقت، قد نخلط بين قوة تعلقنا بشخص وبين مدى ملاءمته لحياتنا، كأن صعوبة التخلي عنه دليل على أنه الشخص المناسب لنا.
لكن المشاعر، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لبناء علاقة صحية.
فالحب لا يقاس فقط بما نشعر به تجاه الآخرين، بل أيضًا بما نعيشه معهم من احترام وأمان ووضوح وتبادل للمسؤولية.
يمكنك أن تشتاق إلى شخص، وفي الوقت نفسه تعرف أن العودة إليه ليست في صالحك. ويمكنك أن تحب ما كان بينكما، دون أن تقبل باستمرار ما كان يؤلمك.
وهذا ليس تناقضًا، بل جزء من النضج العاطفي ، أن نعترف بمشاعرنا دون أن نسمح لها باتخاذ كل قراراتنا، وأن نفهم أن الحنين شعور يستحق الإصغاء، لكنه ليس أمرًا واجب التنفيذ.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى محو الذكريات حتى نتعافى، ولا إلى إقناع أنفسنا بأن كل ما عشناه كان سيئًا.
يكفي أحيانًا أن نرى التجربة كاملة ، بجميلها ومؤلمها، بما منحته لنا وما أخذته منا، وأن نتوقف عن استخدام لحظاتها الجميلة لتبرير ما لم يعد مقبولًا.
فليس كل من اشتقنا إليه يصلح أن يعود، وليس كل من أحببناه قادرًا على منحنا الحب الذي نحتاجه.
وفي النهاية، ربما يكون أصعب أشكال التحرر أن تتوقف عن انتظار الشخص الذي آذاك ليمنحك السلام الذي فقدته بسببه، وأن تبدأ في استعادة هذا السلام بنفسك.
فبعض الأشخاص يظلون في ذاكرتنا، لكن ليس من الضروري أن يظلوا في حياتنا.
د/ دينا فتحي