مسرح الجريمة: بين أنا والأنا
المكان: الغرفة المظلمة على عتبة الروح.
المتهم والمجني عليه: امرأتان تشتركان في الجسد ذاته.
لم يكن في الغرفة سوى مرآة مشروخة، وكرسيٍّ وحيد، وظلّين لا يتفقان على صاحبة الجسد.
جلست «أناي» الأولى في الركن، تضم جسدها إلى نفسها، بينما وقفت «أناي» الثانية أمامها، مستقيمة الظهر، باردة النظرات، كأنها جاءت لتشهد ضدها.
— أريد أن أرحل.
— إلى أين؟
— إلى أي مكان لا أعرف فيه نفسي.
— لن يفيد.
رفعت أناي الأولى وجهها إليها، وفي عينيها شيء من السخط.
— ولماذا؟
— لأنكِ ستأخذين نفسكِ معكِ.
انقبضت ملامحها، وكأن الإجابة أصابت موضعًا كانت تحاول دفنه منذ زمن.
— أنتِ لا تفهمين شيئًا... لقد تعبت.
— أعرف.
خرجت الكلمة من الأخرى هادئة، فاشتعل غضب الأولى أكثر.
— لا، لا تعرفين. أنتِ لا تشعرين بشيء. تقفين دائمًا هكذا، كأنكِ خُلقتِ من حجر.
اقتربت شيطانتي الثانية منها قليلًا، وانحنت نحوها، ثم جاء صوتها كفحيح أفعى ينساب في العتمة:
— وأنا أعرف أنكِ كل ليلة تتمنين لو أستطيع أن أترككِ تنهارين.
— نعم.
— ألم تسألي ذاتكِ يومًا لماذا لم أترككِ؟
نظرت إليها طويلًا قبل أن تخرج الإجابة مثقلة بالمرارة:
— لأنكِ قاسية.
ارتسمت على شفتي الشيطانة ابتسامة خافتة.
— لأنني قاسية؟ أم لأنني الوحيدة التي بقيت حين أردتِ أنتِ الرحيل؟
لم تجد أناي الأولى جوابًا.
اتجه بصرها إلى المرآة المشروخة، فرأت وجهين لامرأة واحدة؛ وجهًا يريد أن يختبئ، وآخر يرفض أن يُرى ضعيفًا.
— أكرهكِ.
— أعرف.
— وأكره أنكِ تجعلينني أواصل كل مرة.
— وأنتِ تكرهينني لأنني أفعل الشيء الوحيد الذي لا تستطيعين فعله.
— وما هو؟
اقتربت الثانية أكثر، حتى صار بينهما نفسٌ واحد، ثم همست:
— أمنعكِ من أن تنتهي.
خرجت من الأولى ضحكة مكسورة، سرعان ما اختنقت في حلقها.
— وهل تسمين هذا نجاة؟
— لا.
— إذن ماذا تسمينه؟
رفعت الثانية عينيها إلى انعكاسهما في المرآة.
— تأجيلًا للجنازة.
ارتعشت الأولى، وكأنها للمرة الأولى رأت صورتها الحقيقية في تلك الكلمات.
— أنتِ مخيفة.
— وأنتِ أضعف مما تتظاهرين.
— وأنتِ أقسى مما ينبغي.
— لهذا بقيتِ حيّة.
استقر الصمت بينهما، ثقيلًا إلى الحد الذي جعل الغرفة تبدو كأنها تحبس أنفاسها معهما.
وبعد لحظات، مدت أناي الأولى يدها نحوها.
— اجلسي.
ترددت الثانية قليلًا.
— لماذا؟
— تعبت من محاربتك.
جلست إلى جوارها.
وبقيتا طويلًا كتفًا إلى كتف، امرأتين في جسد واحد، وكل واحدة منهما تعرف، رغم كل ما قيل، أن الأخرى لم تكن عدوها الحقيقي.
في الخارج، كانت الحياة تمضي كأن شيئًا لم يحدث.
أما هنا، خلف الباب المغلق، فكانت الجريمة الوحيدة التي لم يجد لها المحققون أثرًا...
أن امرأةً كاملة كانت تقضي كل ليلة في قتل نصفها الآخر، ثم تستيقظ صباحًا لتعيش به.