ليس كل اختلاف خلافًا

ليس كل اختلاف خلافًا
هل عمرك اختلفت مع حد، وفجأة حسيت إن الموضوع كبر أكتر مما يستاهل؟

مجرد رأي مختلف، وجهة نظر مش شبه وجهة نظرك، قرار أنت شايفه غلط والطرف التاني شايفه عادي جدًا... وفجأة بدل ما يكون مجرد اختلاف، يتحول الموضوع لخلاف، وبعدها لبُعد، ويمكن في النهاية نخسر شخص لمجرد إننا لم نتفق على نفس الشيء.

لكن ليه؟

ليه بقينا نتعامل مع الاختلاف وكأنه تحدي لازم نكسبه؟

يمكن لأن كل واحد فينا مقتنع إنه شايف الصورة كاملة، مع إن الحقيقة إن كل شخص بيشوف جزء منها بس. إحنا بنتعامل مع الحياة من خلال تجاربنا، والحاجات اللي حصلت لنا، والناس اللي قابلناهم، وحتى المواقف اللي غيرت طريقة تفكيرنا.

فهل منطقي إن شخصين مروا بحياتين مختلفتين تمامًا يكون لازم عندهم نفس الرأي؟

أكيد لا.

الغريب إننا أحيانًا لا نختلف مع الفكرة، وإنما نختلف مع صاحبها. يعني ممكن شخص يقول رأيًا لا يعجبنا، فنبدأ نحكم عليه هو، مش على كلامه. نعتبره متعصب، أو جاهل، أو مش فاهم... لمجرد إنه لم يقل ما كنا نريد سماعه.

وهنا يبدأ الخلاف الحقيقي.

لأن المشكلة لم تعد: "أنا شايف الموضوع بشكل مختلف."

أصبحت: "أنا صح، وأنت غلط."

والجملة دي وحدها كفيلة إنها تقفل أي حوار.

خصوصًا مع السوشيال ميديا. كم مرة دخلنا نشوف رأيًا مختلفًا، وقبل ما نفكر فيه أصلًا بدأنا نجهز الرد؟ وكم مرة كتبنا تعليقًا غاضبًا على شخص لا نعرفه، لمجرد أن رأيه لم يعجبنا؟

والأغرب إننا أحيانًا ندخل نقاشات لا نريد منها أن نفهم، وإنما نريد فقط أن نخرج منها ونحن "اللي كسبنا".

لكن هل كل نقاش محتاج فائز؟

وهل الاعتراف إن الطرف الآخر عنده نقطة صحيحة معناه إننا خسرنا؟

أعتقد أن الموضوع أبسط من كده.

ممكن أختلف معك جدًا، ومع ذلك أحترمك.

ممكن أسمع رأيك، وأفهم وجهة نظرك، وفي النهاية أظل مقتنعًا برأيي.

وممكن أكتشف إنك كنت على حق، وأغير رأيي.

وده مش ضعف.

على العكس، يمكن من أصعب الأشياء أن نعترف لأنفسنا إننا كنا مخطئين. لأننا أحيانًا نتمسك برأينا ليس لأنه صحيح، وإنما لأننا قلناه من البداية ولا نريد أن نتراجع عنه.

لكن ما قيمة أن أثبت أنني على حق، إذا كان ثمن ذلك أن أخسر شخصًا أو أفسد علاقة؟

وفي المقابل، مش معنى إننا نحترم الاختلاف إننا نقبل كل شيء. في حاجات فعلًا نختلف عليها، وحاجات لها حدود ومبادئ لا يمكن تجاوزها.

الفكرة فقط إننا نتعلم نفرق بين اختلاف يستحق الحوار، واختلاف لا يستحق أن نخسر من أجله أحدًا.

وربما النضج الحقيقي لا يظهر في قدرتنا على الكلام، وإنما في قدرتنا على الاستماع.

أن تسمع رأيًا لا يعجبك دون أن تقاطعه.

أن تفكر قبل أن تحكم.

أن تقول "ممكن أكون غلطان".

وأن تعرف أحيانًا أن الصمت ليس هزيمة، وأن الانسحاب من نقاش لا فائدة منه ليس ضعفًا.

في النهاية، إحنا مش مطالبين نتفق مع كل الناس، ولا الناس مطالبين يتفقوا معنا.

اختلافنا طبيعي.

لكن طريقة اختلافنا هي التي تقول الكثير عنا.

فهل نستطيع أن نختلف دون أن نتخاصم؟

هل نستطيع أن نتمسك برأينا دون أن نقلل من رأي غيرنا؟

وهل نستطيع أن نترك مساحة للآخر يقول: "أنا شايفها بشكل مختلف" من غير ما نعتبرها معركة؟

يمكن وقتها فقط نفهم أن ليس كل اختلاف خلافًا... وأن الاختلاف أحيانًا لا يحتاج إلى منتصر، بقدر ما يحتاج إلى قدر من العقل والاحترام.

إرسال تعليق

أحدث أقدم