عالم بلا مجاملات

عالم بلا مجاملات
ماذا لو استيقظنا ذات صباح، فلم نجد في أفواهنا منفذًا للكذب، ولا في ألسنتنا قدرةً على تزيين الحقيقة؟

ماذا لو صار علينا أن نقول كل ما نشعر به كما هو، بلا خوفٍ من جرح، ولا رغبةٍ في استرضاء، ولا حسابٍ لمصلحة؟

ربما كانت أولى ضحايا ذلك الصباح هي المرآة.

سيقف المرء أمام صديقه، فيقول له ما لم يجرؤ على قوله طوال أعوام: لم أعد أحب صحبتك كما كنت، ولم أعد أحتمل حديثك، وكنت أبتسم لك لأنني اعتدت وجودك لا لأنني أشتاق إليك.

وسيعود آخر إلى بيته، فيجلس إلى جوار من يشاركه العمر، ثم يقول ببرود الحقيقة: لم يعد في قلبي ذلك الشغف القديم، لكنني بقيت لأن الرحيل كان أكثر كلفةً من البقاء.

وستسقط عبارات كثيرة كانت تُقال كل يوم، لا لأنها صادقة، بل لأنها تحفظ شكل العلاقة.

لن يقول أحد: «ما أجمل ما كتبت!» وهو لا يرى في الكلمات إلا حروفًا متعبة.

ولن يقول أحد: «اشتقت إليك» لمجرد أن الغياب طال.

ولن يبتسم الموظف في وجه مديره إعجابًا، ولا الصديق لصديقه طلبًا لمنفعة، ولا القريب لقريبه خوفًا من انقطاع مصلحة.

عندها فقط سنكتشف كم علاقةً كانت قائمةً على المجاملة، وكم صداقةً كانت تحتاج إلى منفعةٍ كي تبقى حيّة، وكم شخصٍ كنا نظنه قريبًا، بينما كان لا يرى في قربه منا سوى بابٍ مفتوح إلى شيءٍ يريده.

لكن... هل كانت المجاملة كلها زيفًا؟

أليس من الصدق أيضًا أن أختار كلماتي حتى لا أكسر قلبًا لا يحتمل الحقيقة؟

أليس في قولنا: «أنت بخير» لمن نعرف أنه متعب، شيءٌ من الرحمة؟

وهل ينبغي أن أقول للإنسان كل ما أراه فيه، لمجرد أنني أملك شجاعة قوله؟

الحقيقة فضيلة، نعم، لكنها حين تُقال بلا رحمة قد تتحول إلى قسوة.

والمجاملة ليست دائمًا نفاقًا؛ فقد تكون أحيانًا أدبًا، أو سترًا، أو مراعاةً لمشاعر إنسان لا يحتاج منك أن تكشف عيوبه بقدر ما يحتاج منك أن تكون رحيمًا به.

المشكلة إذن ليست في المجاملة، بل في اللحظة التي تتحول فيها المجاملة إلى قناع.

أن تقول لإنسان: «أحسنت» وأنت تقصد تشجيعه، تلك إنسانية.

أما أن تمدح من أجل منفعة، ثم تطعنه حين تنتهي حاجتك إليه، فذلك ليس مجاملة، بل تزييفٌ للعلاقة.

أن تصمت عن كلمةٍ جارحة لأنك تعرف أنها لن تصلح شيئًا، رحمة.

أما أن تصمت عن الحق ثم تستخدمه يومًا سلاحًا ضد من صمتَّ عنه، فذلك نفاق.

ولعل عالمًا بلا مجاملات لن يكون عالمًا أكثر صدقًا كما نتخيل، بل عالمًا أكثر قسوة؛ لأن الإنسان ليس بحاجة إلى الحقيقة وحدها، وإنما بحاجة إلى الطريقة التي تُقال بها الحقيقة.

فليست كل حقيقةٍ تُقال، ولا كل مجاملةٍ كذبًا.

بعض الحقائق تحتاج إلى شجاعة، وبعضها يحتاج إلى حكمة، وبعض الصمت أصدق من ألف كلمة، وبعض الكلمات اللطيفة قد تكون أكرم من حقيقةٍ قيلت في اللحظة الخطأ.

وربما لو استيقظ العالم يومًا بلا مجاملات، لما اكتشف الناس فقط زيف الآخرين، بل اكتشف كل واحدٍ منا شيئًا أشد قسوة:

كم مرةٍ جاملنا لأننا خائفون من خسارة شخص؟

وكم مرةٍ صمتنا لأن الحقيقة كانت ستفضح مصلحتنا؟

وكم مرةٍ أحببنا صورة العلاقة أكثر مما أحببنا أصحابها؟

عندها سنفهم أن العالم لا يحتاج إلى أن يتخلى عن المجاملة، بل يحتاج إلى أن يتخلى عن الزيف.

أن نتعلم كيف نكون صادقين دون أن نكون جارحين، ورحماء دون أن نكون منافقين، واضحين دون أن نتخذ الحقيقة ذريعةً للقسوة.

فليس أجمل الناس من يقول كل ما يفكر فيه، وإنما أجملهم من يعرف ما الذي ينبغي أن يُقال، ومتى يُقال، وكيف يُقال.

ولعل أعظم صدقٍ يمكن أن نصل إليه، هو أن يصبح ما نقوله في غياب الناس هو ذاته ما نقوله في حضورهم، وأن تبقى علاقتنا بالآخرين قائمةً على الود لا على المنفعة، وعلى الصدق لا على الأقنعة.

ففي عالمٍ بلا مجاملات، ستنكشف الوجوه...

لكن في عالمٍ بلا زيف، فقط، ستبقى القلوب.

الاسم: بسمة جمعة القاضي

إرسال تعليق

أحدث أقدم