الفردوس المفقود...

 الفردوس المفقود...



في محرابِ الإسلامِ العريق،

حيثُ للسكينةِ صوتٌ، وللنورِ ذاكرة،

تلتقي الأرواحُ الطاهرةُ بالفكر،

وتنحني العقولُ إجلالًا لإرثٍ مرّت عليه القرون،

فلم تزدْهُ السنينُ إلا رسوخًا وبهاء.


هنا، لا تصمتُ الحجارة...

فلكلِّ حجرٍ حكاية،

ولكلِّ قوسٍ ذاكرة،

ولكلِّ نافذةٍ عينٌ تطلُّ على زمنٍ بعيد،

زمنٍ كان فيه العلمُ شغفًا،

والفكرُ عبادة،

والمعرفةُ طريقًا إلى النور.


تحت أقبيةِ المجد،

تقفُ الأعمدةُ شامخةً كحُرّاسٍ أوفياء للزمن،

تحملُ على كتفيها أسرارَ العابرين،

وتشهدُ على جباهٍ لامستِ الأرضَ سجودًا،

وعقولٍ اجتمعت حول العلم،

فخرج من بين جدرانها نورٌ أضاءَ ما وراءها.


ويتسلّلُ الضوءُ من النوافذِ المزخرفة،

فيوقظُ في الحجرِ حياةً خفيّة،

كأنَّ الشمسَ لا تدخلُ المكانَ لتُنيره فحسب،

بل لتذكّرنا أن الحضاراتِ لا تُبنى بالحجارة،

وإنما بما تتركهُ العقولُ والقلوبُ خلفها.


أما الأرض...

فتحتفظُ بخطواتِ الذين مرّوا،

وبأثرِ الساجدين،

وبدعواتٍ صعدت إلى السماء ولم تعد.

وتحت كلِّ سجادةٍ حكاية،

وفي كلِّ زاويةٍ سرٌّ من أسرارِ أمةٍ

عرفت يومًا كيف تجعلُ من دورِ العبادةِ مناراتٍ للعلم والحياة.


وهناك، في حلقاتِ المعرفة،

تجلسُ الوجوهُ الشغوفة،

تتلاقى العيونُ، وتتلاقحُ الأفكار،

فيبدو الماضي كأنه لم يرحل،

وكأنَّ الذين أشعلوا مشاعلَ العلم بالأمس

قد تركوا لنا قبسًا لنحمله اليوم.


فهذا المكانُ ليس أثرًا نمرُّ به،

ولا بناءً نتأملُ جماله ثم نمضي؛

إنه ذاكرةُ أمة،

وروحُ حضارة،

وصوتُ زمنٍ ما زال يبحثُ عمّن يُصغي إليه.


يقولُ لنا كلُّ قوسٍ،

وكلُّ عمود،

وكلُّ شعاعٍ يتسلّلُ من نافذة:


"لا تتركوا ما صنعناهُ يموت...

فأنتم امتدادُ الذين مرّوا من هنا."


فالتراثُ ليس ماضيًا نُعلّقه على جدرانِ الذاكرة،

بل جذورٌ تمتدُّ في أعماقنا؛

إن حفظناها، ظلّت للأمةِ أغصان،

وإن قطعناها، أصبحنا غرباءَ عن أنفسنا.


لذلك، لا تجعلوا هذه الجوامعَ متاحفَ للصمت،

بل اجعلوها مناراتٍ للعلم،

فربما لم يكن الفردوسُ مفقودًا يومًا...

ربما نحنُ الذين ابتعدنا عنه.


بقلم: الكاتبة_سهيلة_ممدوح

إرسال تعليق

أحدث أقدم