ما لا تقوله اللغة
أما بعد...
فإنِّي ما رأيتُ في دواوينِ الأوَّلين، ولا قلَّبتُ أوراقَ العاشقين، ولا أطلتُ الوقوفَ عند أخبارِ المُتيَّمين، إلَّا أيقنتُ أنَّ الهوى سلطانٌ إذا استولى على الفؤادِ، خلعَ عنه رداءَ التعقُّل، وألبسَه من سندسِ الشوقِ ما لا تُدركُه الأبصار.
وليس العشقُ نزوةً تعبرُ كالسحاب، ولا هاجسًا تذروه الرِّيح، ولكنَّه نارٌ إذا اتَّقدت في الضلوع، استحالت بردًا وسلامًا على أهلِها، ولفحًا على مَن جهلوا سُلطانَه.
وما الهيامُ إلَّا الغايةُ التي تنتهي إليها المحبَّةُ إذا جاوزت حدَّ المودَّة، واستباحت حصونَ القلب، فصار صاحبُها أسيرَ لحظةٍ، ورهينَ ذكرى، وسجينَ اسمٍ إذا جرى على لسانِه، تهلَّلت له الأرواحُ كما يتهلَّلُ الروضُ لغيثِ السَّحَر.
ولقد صدقَ أهلُ البيانِ إذ جعلوا الهوى بحرًا لا يُدرَك قرارُه، فما أكثرَ مَن خاضوه زهوًا، فإذا هم عند أوَّل موجةٍ غرقى، وما أقلَّ مَن عرفوا أنَّ العشقَ ليس لذَّةً تُنال، بل ابتلاءٌ كريم، لا يثبتُ له إلَّا قلبٌ صقلتْه الأيَّام، وهذَّبته الخيبات، ثم خرج منها وفي صدره متَّسعٌ للمحبَّة، لا للحقد.
فيا للعجب...
كيف تضيقُ اللغاتُ عن وصفِ شعورٍ وسعَ الأفلاك؟ وكيف تعجزُ الأقلامُ عن الإحاطةِ بسرٍّ لو كُشِفَ بعضُه، لضاقَت به صحائفُ الدهر؟
ولعلَّ الحُبَّ آخرُ الأسرارِ التي أذن اللهُ لها أن تبقى عصيَّةً على التأويل؛ فلا يُدركُه عقلٌ بكماله، ولا يُفسِّرُه شاعرٌ ببلاغته، ولا يستوفيه كتابٌ وإن زخرفتْه خزائنُ اللغة، لأنَّه إذا حلَّ بالقلب، صار القلبُ هو البيان، وصارت الدموعُ أفصحَ من الكلام.
بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي