عزيزي الغائب الحاضر....
لا أدري أكان ينبغي لي أن أكتب إليك في هذا الأمر أم أدعه يمر كما تمر أشياء كثيرة لا تجد من يتوقف عندها طويلًا، غير أنني وقعت اليوم على خاطرٍ ظل عالقًا بي؛ كيف يمكن لعمرٍ صغير أن يُطالب بحياةٍ أكبر منه؟
ومنذ ذلك الحين، وأنا أفكر في أولئك الصغيرات اللواتي نعبر بجوار حكاياتهن دون أن نلتفت، لأنهن في أعين الناس قد كبرن بما يكفي، بينما في أعماقهن أطفال لم يُمهلهن أحدٌ ليكبرن على مهل.
ولعل أكثر ما يؤلمني في الأمر أن المجتمع كثيرًا ما ينظر إلى الزواج المبكر بعين الأرقام والعادات، وينسى أن خلف الرقم روحًا صغيرة؛ روحًا قد تُدفع إلى حياةٍ كاملة قبل أن تُمنح حتى فرصة فهم الحياة.
لذلك أكتب إليك الليلة، لا لأدين أحدًا، ولا لأضع اللوم على بابٍ بعينه، وإنما لأتحدث عن طفولةٍ تُغادر أصحابها أحيانًا قبل أن تُتم وداعها.
هل يُعقل أن يُطلب من زهرةٍ لم تُحسن بعد أن تعرف اسم الربيع، أن تحمل فوق كتفيها ثقل فصلٍ كامل؟
لطالما راودني سؤالٌ لا أجد له جوابًا يليق ببراءة الطفولة: كيف يُنتظر من طفلةٍ أن تفهم معنى البيت، وهي لا تزال تتعلم كيف تفهم نفسها؟ وكيف يُطلب منها أن تكون زوجةً، وهي لم تُمنح بعد رفاهية أن تكون طفلة؟
إنني لا أتحدث عن أعوامٍ تُحصى بالأرقام، بل عن روحٍ تُنتزع من موضعها قبل أوانها.
فالطفلة حين تُدفع إلى الزواج لا تكبر فجأة، كما يتوهم البعض؛ إنما يُطلب منها أن تخفي طفولتها.
تُؤخذ منها ألعابها، وأسئلتها، وخوفها الصغير، ثم تُلقى في يدها مفاتيح حياةٍ لا تعرف أبوابها.
ويُقال لها:
كوني عاقلة.
فتتعلم الصمت.
ويُقال لها:
تحمّلي.
فتتعلم ابتلاع البكاء.
ويُقال لها:
لقد أصبحتِ امرأة.
فتنظر إلى المرآة، ولا تجد فيها إلا طفلةً مرتبكة، ترتدي عمرًا ليس لها.
والأدهى، يا عزيزي، أن الطفلة لا تُمنح حتى حقّ الحيرة.
فالحيرة امتيازٌ لا يُسمح به لمن أُلقيت على كتفيه مسؤولية الكبار.
لا أحد يسألها إن كانت تخاف.
لا أحد يتوقف طويلًا أمام ارتجافة صوتها.
لا أحد يقول لها إن من حقها ألا تعرف.
يُطلب منها أن تعرف كيف تُرضي، وكيف تصبر، وكيف تدبّر، وكيف تحتمل، وكيف تكون زوجةً وأمًا، بينما هي نفسها لم تجد بعد إجابةً عن سؤالٍ أبسط:
من أنا؟
ثم تمضي السنوات، ويصفق الجميع لنضجها المبكر، ولا ينتبه أحد إلى أن ذلك النضج ربما لم يكن إلا طفولةً دُفنت حيّة.
وأشد ما يؤلمني أن العالم لا يسألها غالبًا: هل كنتِ مستعدة؟
بل يسألها بعد فوات الأوان:
لماذا لم تكوني زوجةً جيدة؟
كأن الطفلة هي التي أخطأت حين عجزت عن حمل حياةٍ أكبر من يديها.
كأنها كان ينبغي أن تعرف ما لم يُتح لها أن تتعلمه.
كأن العمر الذي سُرق منها ينبغي أن يعود عليها في هيئة حكمة.
يا سيدي ، إن الزواج ليس بابًا يُدفع إليه الصغار لأن الكبار يرون أن الوقت قد حان.
إنه حياةٌ كاملة، والحياة لا ينبغي أن تُسلَّم إلى قلبٍ لم يُمنح بعد فرصة أن يتعلم كيف يحمي نفسه.
ثمة أطفال لا يحتجن إلى أن يُعلَّمن كيف يكنّ زوجات؛ يحتجن أولًا إلى أن يُتركن بناتٍ صغيرات.
يحتجن مدرسةً، وكتابًا، ونافذةً يطللن منها على العالم، وحلمًا لا يُقال لهن إنه عيب.
يحتجن أن يخطئن في مسائل صغيرة، وأن يعدن إلى بيوتهن وهن يحملن دفاترهن، لا أثقال بيوتٍ كاملة.
يحتجن أن تكون أكبر مخاوفهن امتحان الغد، لا مستقبلًا لم يخترنه.
فليس كل من بلغ سنًّا ما قد بلغ النضج، وليست القدرة على احتمال الألم دليلًا على الاستعداد للحياة.
وليس من العدل أن نمدح طفلةً لأنها «تتحمل»، بينما السؤال الأصدق هو:
لماذا كان عليها أن تتحمل أصلًا؟
وربما كان أكثر ما يؤلم في الحكاية كلها أن بعض الطفلات يكبرن فعلًا.
يتعلمن الطبخ، وتدبير البيت، ورعاية الصغار، وإخفاء دموعهن، ويصبحن بارعاتٍ في ارتداء ثوب المرأة حتى ينسى الجميع أن تحته طفلة.
لكن الطفلة التي أُجبرت يومًا على الرحيل من طفولتها لا تعرف دائمًا كيف تعود إليها.
قد تكبر في العمر، ويبقى في داخلها بابٌ صغير مغلق على طفلةٍ لم تنل وداعها.
طفلةٍ ربما ما زالت تريد أن تركض، وأن تخطئ، وأن تحلم، وأن تُسأل قبل أن يُتخذ عنها القرار.
عزيزي ،
لست أكتب دفاعًا عن طفلةٍ بعينها.
أنا أكتب عن طفولةٍ كاملة تستحق أن تُعاش قبل أن يُطلب منها أن تُفنى في حياةٍ لم تخترها.
وأكتب عن كل فتاةٍ وقفت ذات يوم أمام مرآتها، فرأت امرأةً يُفترض أن تكونها، بينما كانت في أعماقها لا تزال تسأل:
«ومتى يُسمح لي أن أكون أنا؟»
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نسمعه جميعًا قبل أن نلومها على الإجابات التي لم تعرف كيف تجدها.
فبعض النساء لم يخترن أن يكبرن باكرًا.
لقد سُرقت منهن الطفولة، ثم صُفق لهن لأنهن أحسنَّ إخفاء السرقة.