في لقاء يجمع بين دقة الهندسة ورقة القوافي، تستضيف مجلة "قعدة مبدعين" قامة أدبية بارزة تتنقل بحرفية بين صرامة الأرقام وعذوبة الكلمات. ضيفنا هو الشاعر المهندس خليل عبد المجيد، نائب رئيس اتحاد كتاب القليوبية، صاحب التناقضات المبدعة والعوالم الشعرية المتنوعة التي امتدت عبر دواوينه المتعددة..
نلتقي به اليوم في حوار يغوص في تفاصيل تجربته الإبداعية ورؤيته للمشهد الثقافي.
1- الشاعر المهندس خليل عبد المجيد، أهلاً بك في "قعدة مبدعين".. هل لك أن تعرّف رواد المجلة من أنت إنسانيًا وإبداعيًا؟
أعدكم بدايةً بحديث شيّق وغير ملل، وأستهل كلامي ببيتين من الشعر:
الـخِـلُّ إمَّـا أنْ يـَكُـونَ مُـسَـايِــرًا ... لِلخِلِّ دَوْمًـا أَوْ يَـكُـونَ مُـعَـانِــدَا
وَأَنَا خَلِيلٌ لَمْ أُعَانِدْ لَهْفَتِي ... فِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ خَلِيلًا مُغَرِّدَا
-نشأتُ في بيئة قروية ساحرة، حيث الفطرة النقية، وعالم التأملات الكونية والخيال الخصب الباحث عما وراء الطبيعة. كانت طفولة حالمة في مناخ عائلي ذي شأن كبير؛ ومابين خضرة الأرض وزرقة السماء تولدت حاسة الشاعر الصغير وتشكّل وجداني. تفوقتُ دراسيًا منذ البداية، وتطورت أدبيًا وعلمياً، وكان عشقي للغة العربية هو البوابة الكبرى لعشق الشعر والشعراء.
ثم جاءت المرحلة الجامعية لتشهد إظهار الموهبة وانطلاقة الشباب عبر الندوات والأمسيات والسجالات الشعريّة، حتى تسيدتُ المشهد الثقافي في الجامعة آنذاك. بعد ذلك، بدأت الحياة العملية وأخذتني الهندسة نوعًا ما من الشعر الذي ظل يراودني عن نفسي، فزاحمتني القصائد وخرجت للنور، وإن ظلت حبيسة الأدراج لفترة ليست بالقليلة، حتى كان أول الغيث ديوان "قصائد إليها"، ولتتوالى بعده الإبداعات.
2- بين الهندسة والدواوين الشعرية مساحة عريضة؛ كيف يستطيع المهندس خليل عبد المجيد صياغة المعادلة بين دقة المعمار وحرية القصيدة؟
هناك توافق كبير بين الهندسة والشعر رغم ما يبدو من جمود في المعضلات الهندسية. كوني مهندس ميكانيكا أتعامل مع المعدات والسيارات والآلات، فقد صار عشق الميكانيكا وعشق الشعر متعانقَين؛ أحيانًا يكون الشعر مخرجًا ومنفذًا من القيود الهندسية نحو الحرية التي يعشقها المبدعون المتمردون مثلي. والأجمل أن المهنة والميكانيكا تدخلتا في تشكيل معجمي الشعري الخاص والجديد.
3- يتضمن رصيدك الإبداعي ستة دواوين تتنوع عناوينها بين الأمل والرعب والحب؛ كيف تعكس هذه التباينات التحولات الشعورية في مسيرتك؟
بالفعل يضم رصيدي ستة دواوين ما بين العامية والفصحى، بخلاف ديوان مجمّع لنخبة من الشعراء، وكتاب عن السيرة الغيرية مشترك مع أدباء أجلاء بعنوان "سيدات من مصر" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب.
من يدقق في العناوين سيجد أنها تمثل تحولات جوهرية وشعورية في مسيرتي
قصائد إليها: يمثل الحب البكر للحبيبة بمعناها القريب والبعيد.
لغة العاشقين: حديث عن العشق والغرام الذي لا ينتهي.
كوابيس اليقظة: كان بمثابة ناقوس خطر يدق لتنبيه المتلقي بالمخاطر التي تُحاك للوطن.
تبًا.. هُبل: ديوان بالفصحى يناقش الكثير من القضايا الوطنية.
نُص حلم: يحمل همّ المواطن ومعاناته، والحلم بالحياة الطبيعية والوصول بالوطن إلى بر الأمان.
كيفما أكون: يعود إلى الرومانسية الطاغية والحب الشديد للأرض والطين والحبيبة.
4- العنوان "قصائد إليها" يحمل دلالة وجدانية مخصصة ومباشرة؛ من هي "إليها" في تجربة خليل عبد المجيد الشعرية؟ وهل هي امرأة أم رمز لشيء أعمق؟
ديوان "قصائد إليها" هو ديواني الأول بعد طول انتظار، و"إليها" تشير إلى الحبيبة الكبرى، والتي تنبثق منها الحبيبة التي سكنت القلب دون منافس، ومن خلال عشقها ينبع عشق الوطن.
5- في ديوانك "نُص حِلم"، وتحديدًا في قصيدة "عايشين شقا"، كتبت: "عايشين شقا.. شاربين شقا.. واكلين شقا"؛ وتساءلت: "امتى راح نرتاح بقى"؛ فما هو الشقاء في عيون خليل عبد المجيد؟
القصيدة رصدٌ حي لحياة الكثيرين من أبناء هذا الوطن؛ الخارجين مع البكور، الواقفين في الطوابير، والزارعين في الأرض البور. إنه رصد لمكابدة الحياة اليومية، والسعي للرزق، والقتال من أجل القوت والغلاء المفرط، والتنقل بين المواصلات والعمل الصعب بأجر كاد لا يكفي قوت اليوم. الشقاء هو ما تعيشه فئة ليست بالقليلة في مجتمع تفاوتت فيه الطبقات وتلاشت فيه الطبقة الوسطى.
6- يُلاحظ في ديوانك "كيفما أكون" تمسكٌ صارم باللغة العربية الفصحى؛ كيف ترى مكانة الفصحى في الشارع الشعري المعاصر، ومدى إقبال الجيل الجديد عليها؟
ديوان "كيفما أكون" هو ديواني الفصيح الثاني الذي جمع بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، وله قراؤه ومريدوه وجمهوره الواعي من غير الشعراء والدارسين أيضًا. لقد لمستُ لدى شباب الجيل الجديد شغفًا بهذا الفن، ودليل ذلك حبهم الشديد لقصائد أم كلثوم الفصيحة، وإن كان لشعر العامية سرعة الانتشار والتداول لكونه أقرب للغناء.
7-العودة إلى ديوان "نُص حلم" والقصيدة التي تحمل الاسم نفسه، كان الحلم "عروسًا" لم يكن صاحب الحكاية عريسها رغم إخلاصه.. هل ترى أن الشاعر يظل يبحث عن "عروسه" أو نصفه الآخر طوال حياته؟
نعم، يظل الشاعر باحثًا طوال رحلته في الحياة عن تلك "العروس" التي قد لا تكون موجودة إلا في خيال الشعراء، حيث يتحول حلم الحالم البسيط بمحبوبته إلى حلمه الأعظم بالمحبوبة الأزلية ،ويحضرني هنا هُتَاف القصيدة:
يا مين يجيب لي عروسة شعرها إسدال
تغني ليلها بطوله تُتحِفني بالموال
تكون ربابة لـ عاشق.. وأكون أنا مِتقال!
8- بحكم موقعك كـ "نائب رئيس اتحاد كتاب القليوبية"، كيف تتكامل تجربتك الإدارية والثقافية مع الهندسة والشعر؟ وكيف ترى مسؤولياتك تجاه هذا المنصب؟
تعاملي كمهندس ميكانيكا مع الآلات والمعدات والعمال والفنيين يمنحني تنوعًا كبيرًا في المفردات والصور الشعرية المبتكرة، مما يجعل لقصيدتي طابعًا وشخصية معروفة حتى لو لم يُذكر اسمي عليها، فضلاً عن دقة البناء الهندسي للمتن الشعري.
أما عن المنصب، فهو مسؤولية كبيرة؛ حيث أكون حلقة الوصل بين النقيب ومجلس الإدارة وأدباء المحافظة، لإدارة المنظومة بروح الفريق المتكامل لخدمة الكُتّاب ورفعة شأن النقابة الفرعية والتنفيذ الكامل لأهداف النقابة العامة، إلى جانب إثراء الحياة الثقافية بالقليوبية وتفعيل بروتوكولات التعاون مع وزارة الثقافة.
9- ماذا يمثل "اتحاد كتاب مصر" بالنسبة إلى خليل عبد المجيد؟
اتحاد كتاب مصر هو بيت الإبداع وملتقى الثقافات، والمنارة التي تجمع الأدباء والشعراء والمفكرين. ولجانه وشعبه المختلفة تُثري الحياة الثقافية وتزيد من قوة مصر الناعمة في المجتمع.
10- الحراك الأدبي في الأقاليم يواجه تحديات خاصة؛ كيف تقيم واقع المشهد الثقافي في محافظة القليوبية اليوم؟
المشهد الثقافي والأدبي في القليوبية مُشرّف ويفوق التوقعات؛ فهو منتشر بفاعلية في كل المدن القرى من شرق المحافظة إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، التنوع في الأمسيات والندوات خلق روحًا جميلة وتواصلاً مثمرًا بين الأدباء الكبار والشباب الذين يسعون لصقل مواهبهم.
11-كيف ترى دور "جمعية دار النسر الأدبية" في الحفاظ على الحراك الثقافي في القليوبية؟
"جمعية دار النسر الأدبية" أحدثت حراكًا أدبيًا رائعًا في الجانب الشرقي لمحافظة القليوبية، وكانت سبّاقة في اكتشاف المواهب ورعايتها. كما كان تعاونها مثمرًا للغاية مع اتحاد كتاب القليوبية والصالون الثقافي للنقابة. ولزامًا عليَّ أن أتوجه بالشكر لمؤسسها الشاعر الكبير محمد الشحات محمد ومجلس إدارتها الموقر.
12- لكل مبدع طقوس ومحطات تنقله من ديوان إلى آخر.. كيف تنضج فكرة الديوان لديك حتى تخرج إلى النور؟
لا توجد طقوس مكبلة.. فأنا شاعر لا أحب القيود، تأتي القصيدة فأكتبها دون طقوس بعينها
13-اذا أردت أن تمتعنا بنص من نصوصك فما هو ؟
اهدي الي مجلة قعدة مبدعين قصيدة "قف"
قف
قف ... لا لا .... لا تقف
سر للامام ولا تخف ..
لا تلتفت في رهبة خلف الكتف
هذي فعال الخائفين ..
وانت شئ مختلف .
أنت الحقيقه نورها يختال فيك
بعض الحقيقه قد يفوق الامنيات
حتى وان كانت دروب العمر قبرا
يحتويك
فاجعل حياتك واحة للامنيات ..
وإشدو السعاده والتفاؤل ملئ فيك
ولا تخف ....... لا ترتجف
حتي وإن جاء الممات ..
بل خذه لونا رائقا في مقلتيك ..
هو لم يجئك فجاءة ..
قد كنت تعلم أن هذا الموت آت
قد كنت تعلم أن هذا الموت آت
14-واذا اردنا قصيدة بالعامية المصرية؟
بالطبع هناك قصيدة احبها جدا اسمها "وليه بتلوم علي قلبي "
وليه بتلوم علي قلبي
وليه بتلوم علي قلبي اللي شايلك فيه
وبتدور علي معني الحياة وتلغيه
وتستكثر عليه حبك وبتخييب آماله ليه
تروح تجري علي غيره عشان تلاغيه
وناسي ان اللي حب بجد
مش سهل القلوب تلاقيه
دي لحظة صدق موعودة و مكتوبه
علي جبين الزمن فأقريه
ومهما تغرك الاوهام تلف تلف ترجع ليه
فروح فتش وروح دور بعيد عني
دا جرحك مستحيل تداويه
ولو وهم الامل واخدك وكان ظنك
بغمزة من رموش عينك قوام تناجيه
ولو مالي الغرور قلبك
أكيد كل القلوب تعاديه
ومهما تدور على اللي بجد بيحبك
فمش ممكن فيوم تلاقيه
ومهما تغرك الدنيا وفاكر ان خدت كتير
هتاخد بس م الدنيا
يجوز قد اللي راح تديه
15-ما رأيك في هذا الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟
في الواقع هذا اول حوار "ميديا" فقدت اعتدت على الحوارات المباشرة ولكني استمتعت كثيرًا، خاصةً وأن من يدير الحوار المبدعة، الشاعرة، الإعلامية يمنى أبو السباع بأسلوبها الذكي في إدارة الحوار والتعامل مع الضيف بهذا الأحترام الشديد وشعرت بالفعل أنني في "قعدة " أُفضفض، مع خالص تمنياتي للمجلة بالازدهار شكرا لكم .
شكرا للشاعر المهندس خليل عبد المجيد نائب رئيس اتحاد كتاب القليوبية على هذا الحوار الصادق الدقيق وعلى وعدٍ بالقاء آخر
ومن مجلة قعدة مبدعين كل الود والتقدير.
حوار بقلم: يمنى أبو السباع