د. مصطفى مشرفة.

مصطفى مشرفة.. أينشتاين العرب الذي سبق عصره

لم يكن مصطفى مشرفة من أولئك العلماء الذين اكتفوا بالوقوف خلف المعادلات، بل كان رجلًا آمن بأن العلم رسالة، وأن الأمم لا تُبنى بالحجارة بقدر ما تُبنى بالعقول التي تعرف كيف تفكر، وكيف تطرح السؤال، وكيف تبحث عن الإجابة.
وُلد في دمياط عام 1898م، ومنذ سنواته الأولى بدا كأن شغفه بالمعرفة أكبر من عمره. لم يكن التفوق الدراسي بالنسبة إليه غايةً في حد ذاته، بل كان بداية طريقٍ طويل قاده إلى إنجلترا، حيث واصل دراسته في الفيزياء النظرية، حتى حصل على الدكتوراه، ثم نال درجة دكتوراه العلوم (D.Sc.)، ليصبح واحدًا من أبرز العلماء العرب في هذا المجال، ويؤكد أن العقل المصري قادر على أن ينافس في أكبر المحافل العلمية.
لم يكن يبحث عن شهرةٍ تسبق اسمه، ولا عن ألقابٍ تزين سيرته، لكن أبحاثه في ميكانيكا الكم والنسبية فرضت نفسها على المجتمع العلمي، حتى لُقِّب بـ"أينشتاين العرب". ومع ذلك، ظل يرى أن أعظم إنجازٍ يمكن أن يحققه العالم ليس لقبًا يُمنح له، بل أثرًا يبقى بعده، وعقولًا تواصل ما بدأه.
ورغم أن الطريق كان ممهدًا أمامه ليواصل مسيرته العلمية في الخارج، عاد إلى مصر بإرادته، لأنه كان يؤمن أن الوطن أولى بعلمه. تولّى عمادة كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، ليصبح أول عميدٍ مصري لها، وعمل على تطوير البحث العلمي، وغرس في طلابه أن الجامعة ليست مكانًا لحفظ المعلومات، بل مساحةٌ يولد فيها السؤال، وتنمو فيها الفكرة، ويبدأ منها مستقبل الأوطان.
ولم يحبس العلم بين جدران المعامل، بل سعى إلى أن يقرّبه من الناس، فكتب بلغةٍ بسيطة يفهمها الجميع، ودعا إلى استخدام الطاقة الذرية في خدمة الإنسان، مؤمنًا بأن الاكتشافات العظيمة تفقد قيمتها حين تتحول إلى وسيلةٍ للدمار، بينما تكتسب معناها الحقيقي عندما تصبح سببًا في تقدم البشرية.
رحل مصطفى مشرفة في الخامس عشر من يناير عام 1950م، لكن بعض الأسماء لا تغيب برحيل أصحابها، لأنها لا تترك وراءها كتبًا وأبحاثًا فحسب، بل تترك طريقةً كاملة في التفكير، وإيمانًا راسخًا بأن العلم هو الطريق الأقصر إلى نهضة الأمم.
أحيانًا أشعر أن مصطفى مشرفة لم يكن مجرد عالم فيزياء، بل كان رجلًا يرى المستقبل بعينٍ مختلفة. كان يدرك أن الحضارة لا يصنعها الضجيج، ولا تُشيَّد بالخطب، وإنما تبدأ من عقلٍ صغير يتعلّم، ومن كتابٍ يفتح بابًا للسؤال، ومن معملٍ يضيء طريقًا لم يكن أحد يراه.
ولعل أعظم ما تركه لنا، ليس معادلةً علمية ولا لقبًا عالميًا، بل تلك الفكرة البسيطة والعميقة في آنٍ واحد: أن الأمة التي تكرّم علماءها، وتؤمن بقيمة المعرفة، لا تخشى المستقبل… لأنها هي من تصنعه.
بقلم: بسمة جمعة القاضي

إرسال تعليق

أحدث أقدم