حوار صحفي مع الشاعر/محمد الشحات محمد.

محمد الشحات محمد لقعدة مبدعين : عزيز هو الابداع وكثيرة هي النظريات والمفاهيم 
حوار خاص ونادر للشاعر المبتكر ..

في ليلة تلاقت فيها الكلمات لتعزف لحنًا من نوع خاص، وفي إطار سعينا المستمر بمجلة "قعدة مبدعين" لتسليط الضوء على القامات الإبداعية التي تُثري الساحة الثقافية والفنية؛ كان لنا هذا اللقاء الاستثنائي.
بملامح وقورة تحمل دفء السنين وخبرة المبدع، وبصوتٍ يأسر القلوب فور اعتلائه المنصة، استضافت "قعدة مبدعين" القامة الفنية والإبداعية الشاعر الكبير محمد الشحات محمد، ليفتح لنا قلبه وعقله في حوار اتسم بالصراحة التامة، العمق، والقيمة الابداع 
تنقلنا معه بين محطات رحلته الإبداعية، وتوقفنا عند أسرار كتاباته وابتكاره لفن القصة الشاعرة ..
1-اهلا وسهلا بالشاعر القاص المبتكر المبدع محمد الشحات محمد في قعدة مبدعين أي لقب تفضل ولماذا ؟
 
قارئ في المقام الأول، ثم شاعر ، قاص، ناقد وكاتب مسرحي ..، مؤسس دار النسر الأدبية ومؤسس فن القصة الشاعرة، ولا زلت منشغلا بما لا ينتهي




2-ما موقع الأدب العربي من الٱداب العالمية؟
الأدب ليس منعزلا عن الحياة، بل هو جسر بين الإنسان ونفسه والكون، فلا يفهم الإنسان الحياة إلا إذا فهم نفسه، وأدرك دواخله: أفكاره، ضعفه، قلقه، ورحلته في البحث عن ذاته،
والكلمة وسيلة للتطهر الداخلي، تجمع بين الزهد وأسباب التقدم، كما تجمع العلم والروح والقيم وبين الخلاص الفردي والقضايا الإنسانية الكبرى.

3-كيف يساهم الأدب والنقد في تشكيل الوعي؟

-تتعدد الأنماط الأدبية بتعدد الثقافات والعصور، ومع تراكم المعارف والخبرات والتحول الرقمي والمرجعيات الثقافية، تتجدد الرؤية وتتفاعل الوسائل والتقنيات للمساهمة في إنتاج المعنى والدلالة، ليكشف النقد عن الطبقات الدلالية والرؤية الفكرية للمبدع، وعلاقته بالواقع، والأدب بطبيعته سجل لتحولات الوعي النفسي والتكنولوجي، وتغير السلوكيات وأنماط التفكير والرؤى الإبداعية المتميزة.


4-ما هو فن القصة الشاعرة؟

-إن القصة الشاعرة ابتكار مصري، فيه انتصار للأدب العربي؛ رفض الركون إلى فكرة التأخر، فقفز بالإبداع فوق القرون، تجاوز العربُ الغربَ؛ بلغ فن القصة الشاعرة مرفأه على ضفاف الخارطة الأدبية الجديدة بين مضامين الأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي، وبما يليق بحضور القصة الشاعرة إبداعا ونقدا ودراسات أكاديمية ورسائل، والقصة الشاعرة برهان للحضور العربي الفاعل في المشهد الأدبي العالمي، ويتأكد حضور فن القصة الشاعرة بتأكيد تفرده وإمكاناته الواسعة في اتجاه الرقمنة.
والقصة الشاعرة (Alkesa Alsha'era) ابنة الفكر الشبكي المنظومي والتخييل البيني التشعبي، مفتوحة على كافة الأشكال الجمالية، تأخذ من كل حد جمالي بطرف، ثم تعلو عليها جميعا بحدها الجمالي والمعرفي والتخييلي الخاص بها؛ القصة الشاعرة فن أدبي جديد له ظروفه الحضارية والنفسية مع رغبة المبدع في الانحياز إلى التحديث؛ 
تُعرّفُ بأنها: "قص إيقاعي تدويري وفق نطام التفعيلة ، مؤسسة على التكثيف والرمز والمرجعيات الثقافية".


5-نريد أن تحدثنا عن مصطلح القصة الشاعرة، ولماذا؟

 - الاصطلاح هو اتفاق جماعة على تسمية الشيء باسم ما ، وبالتالي ، فالمصطلح لم يأت عشوائيا ، إنما باتفاق أساتذة ممن لا يرتقون إلا الصعاب، ومصطلح القصة الشاعرة تركيب وصفي، وهو مصطلح اشتقاقي، من السهل أن يتبين الباحث المثقف والدارس النابه والمتلقي الذواقة أن "الشاعرة" قد تكون هي الصفة من المصدر الصناعي لاسم الفاعل التي اعتمدتها القصة في سرد صورها المتناثرة ورموزها المتشعبة، لنسج موسيقاها، أو هي شاعرة في ذاتها.
وعموما .. لا يتعلق الأمر في اجتراح مصطلح القصة الشاعرة بتقارب أو تباعد عن القصة والشعر، فهي جنس مستقل مختلف عنهما، وإن كان يحمل في سماته بعض ما ورثه عنهما على قاعدة حمل الأجناس الجديدة لشيء من خصائص الأجناس المولّدة عن مزاوجتها، أما مصطلح القصة الشاعرة فتركيب وصفي، واسم الفاعل: (الشاعرة) تمييز لها عن فنون التقى فيها الشعر والقصة ضمن خصائص بنيوية وشكلانية تختلف عن تلك التي تميز القصة الشاعرة.

6- لماذا الإعلان عن ابتكاركم عن فن القصة الشاعرة الٱن؟


-استجابة لخلخلة المرجعيات والبيئات التي انتجتها الحداثة السائلة، حيث تلاشت الحدود الذاتية للإنسان، الذي يتدفق بين عوالم افتراضية وأخرى واقعية في الوقت نفسه، كما إن القصة الشاعرة برهان على مشاركة الإبداع العربي في تشكيل خارطة الإبداع العالمي.
والقصة الشاعرة لا يكتبها إلا شاعر خبير وقاص متمكّن، ودافع كبير لمواجهة التحديات وأزمة الخطاب الأدبي، واستكشاف قدرات الخطاب الثقافي والنقدي على مواكبة الأجناس الأدبية الجديدة.


7-لماذا تصر على أن يكون منطوق (القصة الشاعرة) عربيا، ولو كتبت بحروف غير عربية؟
- إن النوفيلا الأوروبية لم يتم تعريفها حتى الٱن، بل إن بعض النقاد يعتبرونها ضمن القصة القصيرة، وعند دراسة تقنياتها يعتبرونها رواية قصيرة، ويستمرون في التغطية بالرجوع إلى أصل الكلمة الايطالي وبعض النماذج والدراسات الألمانية، ويركزون على النماذج الفرنسية والهولندية، والبرتغالية، حتى أن القواميس الإنجليزية والأمريكية لم تصل إلى تعريف محدد، وانما اعتمدت على عدد الكلمات أو الصفحات وبعض الأساطير، وفي كل يتفقون على المنطوق -وان اختلفت حروف الكتابة من بلد إلى أخرى- حرصا على الموطن الأصلي للمصطلح، وكذلك شعر الهايكو (haiku) الياباني، ليس له أي تعريف ومحددات، غير عدد الكلمات والمفارقة، تلك المفارقة الموجودة أيضا في النوفيلا والأساليب مختلفة، وليست المفارقة محصورة في النوفيلا أو الهايكو، إنما في مختلف الفنون، وبنسب متفاوتة، ورغم ذلك كان الحرص على أن يكون منطوق مصطلح (الهايكو) كما صدر من موطنه الأصلي (اليابان)، وكذلك مصطلحات أخرى، لم تسعفها الترجمة الإنجليزية، وحتى قصيدة النثر الذي لم يتم لها أي تعريف مانع ومازالت هناك مشكلات حول المصطلح، رغم أن الشعرية قد تكون في نصوص نثرية أكثر مما هي في نصوص النظم الموزونة والمقفاة أو غير المقفاة، بل إن مصطلح الشعر الحر اختلفت مفاهيمه بين الكُتَّاب، ورجع تاريخه إلى أصله الغربي في القرن الثامن عشر، ومازال بعض الكُتَّاب العرب يختلفون حول روّاده في القرن العشرين.
    وإذا كان الأمر كذلك، فمن باب أولى أن نحافظ على منطوق المصطلح المصري العربي: القصة الشاعرة (Alkesa Alsha'era) كما هو احتراما للموطن الأصلي الذي خرج منه المصطلح، وحقوق الملكية الفكرية، فضلا عن أن فن القصة الشاعرة له تعريفه ومحدداته وخصائصه الجمالية المميزة، وانتشر في مدة أقصر بكثير من مدة النوفيلا والهايكو وقصيدة النثر والشعر الحر، ولم تقف القصة الشاعرة ضد أي فن أو شكل، وتم تطبيق قوانين الأجناسية على نصوصها المختلفة، ما يجعلها جنسا أدبيا يقف جنبا إلى جنب مع الأجناس الأخرى، وكذا يكون التعامل مع أي اختراع أو ابتكار علميا كان أو أدبيًّا!


8- يرى البعض أن الأسلوب السردي موجود في الشعر العربي منذ بداياته.. فلماذا ترون أن القصة الشاعرة فن أدبي جديد؟ 

- نعم، هناك بواكير وإرهاصات، لكن الفارق كبير بين الجذور وما على السطح ، تمامًا كالفارق بين التّقولُب والحياة!
   للقصة الشاعرة خصائصها وموائزها؛ أو قوانينها الجديدة، ومحدّداتها التجنيسية التي تستلهم التطورات، وتتجاوز الحداثة وما بعدها؛ فهي كينونة/شبكية جمالية خاصة، تخرج عن الأشكال السابقة عليها، وإن تعالقت "الشاعرة" مع غيرها من الأجناس في بعض السمات، فهي تختلف عن الأجناس بخصائص جوهرية أخرى، وتلتزم بها، ومن البدهي أن اجتماع السمات في كل نص من نصوص القصة الشاعرة، والزيادة عليها، بما يميزها، يسوّغ لها أن تكون جنسًا أدبيًّا جديدًا، يقف جنبًا إلى جنب مع الأجناس الأدبية الأخرى، ومثلا تتميز القصة الشاعرة بتدويرها البنائي (عروضي، قصصي، تناسبي، ..)، ولها معاييرها كالتكثيف والرمز، والحذف والفجوات النصية، مع اللازمكانية، وتوجيه/توظيف التشكيل الإعرابي وعلامات الترقيم، والفضاءات البصرية، بل إن القصة الشاعرة تفرض وظائف جديدة لما سبق، لتوصيفها، وتتحول فيها أدوات الأجناس الأخرى إلى تقنيات، فمثلا تكون التفعيلة ضرورة سردية في بناء نص القصة الشاعرة، وبالتالي، فإن هناك ما أطلقنا عليه "التدوير القصصي"، وهو تقنية سردية تعمل على سيادة السرد على التفاعيل - وليس على الشعر- وتجعل من البناء كلا ممتزجا لا انفصال فيه، وتجعل من التدوير الشعري آلية سردية لازمة لهذا البناء، مما يجعل القص متبطنا النص من أوله إلى آخره.
   وقد تكون الوحدة الإيقاعية في القصة الشاعرة من تفعيلة واحدة، أو عدد من التفعيلات، التي تتكرر، وهو ما يسمى بالتدوير العروضي

9- هل يمكن أن تمتعنا بنص قصة شاعرة؟

يسعدني أكيد، وهذه القصة الشاعرة، بعنوان: اختراق وشهوة
أقول:
"خُفُوتا بينهم دَارَتْ عَلَيْهِ هَوىً دوائِرُ مُرْشِداتِ اللَّيلِ ..، أَوْقَعَهُ غِيَابِيّا غُرَيْرٌ في لحومِ الرّشْوَةِ الكُبْرى ..، تكتَّلتِ الغيومُ على دَكَاكِين الشِّمالِ؛ مُذكِّرَات الناقدين تَفَصَّلَتْ ..، بدأتْ وقائعُ نَدْوةِ اسْتِبعاد ترشيح المُؤسِّسِ في انتخاباتِ الوُقايَة؛ 
زَرَّهُ الأقزامُ، حانَ على المِنَصَّةُ موْعدُ اسْتيلاء (مكياج) المُباح على دروعٍ تسْتَحلّ العصرَ في دُكّانِ ليْلى .. 
كان أَلْبُومُ اتهامات المَواقِع مستعدا، خلفَه رَعْدٌ من الأَشْراطِ مُتَّصِلٌ بمنشُور شَرِيطَةَ أن تُساحِل ساعةُ الأمطار عقْربَها ..
تبجَّحَ صفْرُهم ..، سحَلَ المُعلمُ وِرْدَه، ماتتْ زليخةُ ..، يوسُفُ اسْتَوْلَى على أوْتارِ حُكْمِ الأوّليَّات المُلفَّقة، اعتبارًا منْ صُدُورِ الْحُلمِ ..، هَمَّتْ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بالدَّرقيَّة، انشقَّتْ عن الإيقاع مُرْشِدةُ الغُرَيْر، توالتِ الجَلساتُ، زادت كهْرباءُ الفَرْزِ ..، 
عادتْ بالعناقيدِ التَّحَرِّيَاتُ، فاخْترقَتْ عبوةُ صمْتِه -حيًّا- أَوَادمَ شَهْوَةِ التَّرْتِيبِ ..؛ لَمْ يَحْضُرْ!"

10-مدهش حقيقي، نعم تختلف القصة الشاعرة عن الشعر القصصي، هل لنا أن نتزود بقصيدة؟

بالتأكيد هي قصيدة: على بُؤْرَتَين ، 
أقول:
--

هُو المَوتُ يا وَلدِي، فَانْتَبِهْ لي
قتِلْتُ عَلى جَبلٍ خلْف سَهْلِ

وَمِثْلُكَ بالحُزْنِ لا يَكْتَوي
فَمِنْكَ افْتَرَعْتُ بَكَارَة مَهْلِ

 وَروّيتُ فيكَ ظِلالَ دَمي
وكُنْتُ معَ الشّمْسِ أهلاً لأهْلِ

على بُؤْرَتَين اسْتَوَى مِعْصَمي
وتُؤْتَى الإشارةُ مِنْ عيْنِ نَهْلِ

ولِي سِدْرةٌ بالمُنَى أوْرَقَتْ 
وتَشْهدُ رُوحي عَناقِيدَ زَهْلِ 

وَمِنْ ٱيَتَين الـ أنَا أشْرَقتْ
تعَوّذتُ بالله مِنْ أيِّ جهْلِ 

لعَلّ النّسورَ إذا حلّقَتْ
تُسَرّي عَنِ الجَوّ غِرْبانَ وهْلِ

سمعتُ القصِيدَ على سُلّمِي
يُديرُ انْزياحًا بِغَمْزةِ شُهْلِ

 كأنّي الْتَقَيْتُ غَريبًا فَمِي
وسارَتْ غُيومٌ على طَرْفِ بَهْلِ

وكُنْتَ .. نعَمْ أنتَ في مأتمِي
صغِيرًا يلُفّ على حبْلِ كَهْلِ

وغَرّتْكَ في سَاعتِي وَدْعَةٌ
تعَلّقَ في الصّدْرِ مشْيُ السّبَهْلِ
**

الله الله في الختام، خالص الشكر والتقدير للأديب الرائد المؤسس المبدع الكبير محمد الشحات محمد 
أسعدتنا وشرفتنا، وعلى وعد بلقاء اخر 


-اشكرك الصحفية والشاعرة يمنى أبو السباع هذا اللقاء الممتع وما تضمنه من عصف ذهني وحوارً إبداعي، وليس غريبًا عليكِ، فأنت شاعرة وصحفية مميزة ومجتهدة ، ارجو كل التوفيق لكِ ولمجلة قعدة مبدعين و لكل مبادرة يقوم عليها الشباب خصوصًا في المجال الابداعي

إرسال تعليق

أحدث أقدم