مجله قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب يوسف الفرساوي
ألقى بصنارته وسط تقلُّبات المياه التي تنجرف يميناً ويساراً رغبة في صيد بعض الأسماك التي يُعِدَّها قوتاً له في بعض أيامه الشاقة لما لها من مذاق شهي وفوائد عديدة ، ظل يمارس تلك الهواية لأيام متتالية حتى وإنْ لاحظ جفاف البحر أو شح عطائه في بعض الأحيان ، لم يتوقف أو يَكُف عن الانتظار ، ظل يواصل سيره ذهاباً وإياباً لتلك المنطقة التي اعتاد رمي شِباكه فيها إنْ تعثر في الصيد عن طريق الصنار ، كان الجميع يتعجبون لأمره ، فكيف يملِك كل هذا الصبر ؟ ، كيف يدَّخر كل تلك القوة بين جنباته ؟ ، كيف يملِك كل هذا العزم وتلك الإرادة ؟ ، ولكنه لم يلتفت لهم ، ظل على نفس إصراره حتى تمكَّن من تجميع المزيد من الحصيلة السمكية التي صارت كثروة لديه ، كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تمكِّنه من مواصلة حياته دون يأس أو قُنوط ، وقد وصل لقدرٍ كبير من الرضا بما حظَى خلال تلك الفترة التي بذل فيها المزيد من الجهود ، فقد صدر له أول إصدار عام ٢٠٢٥ بعنوان ( شموع لا تبتسم ) ، ثم رواية ( قد يعود الماء ) التي صدرت في العام ذاته ، كما فازت روايته ( غصن آيل للانكسار ) بالمركز الثاني بمهرجان همسة الدولي للآداب والفنون وتلك خُطوة تُحسَب له بكل فخر واعتزاز ، كما شارك في العديد من الأعمال الورقية من بينها ( ناصية الحلم ، من وحي زلزال الحوز ) ، وهو الكاتب " يوسف الفرساوي " الذي قدِم إلينا من بلاد المغرب الشقيقة وقد سعِدنا باستضافته في مجلة ( قعدة مبدعين ) ؛ إليكم الحوار
1.في البداية، ما سر شغفك بالكتابة ؟ ولم اتَّجهت إليها؟
شكري الجزيل وامتناني العميق أستاذتي خلود أيمن على هذا الحوار وشكري لكل أعضاء مجلة قعدة مبدعين، ووافر التقدير على هذه النافذة الإشعاعية للتعريف بالكتاب وإنتاجاتهم.
الكتابة فعل احتجاجي على وضع قائم، وليس كما يظن البعض "فعل ترفيهي"، وقد يُستَغرب أنني بدأت الكتابة قبل القراءة، نعم ، كان الألم الذي ينخُر داخلي والصمت اتجاهه هو الدافع إلى حمْل الورقة والقلم، والأغرب أنني لم أعبِّر حينها عمّا يخالجني وإنما كنت صوتاً من بين أصوات مكسورة أخرى.
وأقول بأني لم أتوجَّه إلى الكتابة ولكن الكتابة هي التي توجَّهت إلي، قوة الألم دفع القلم للبحث عني ولكني ما زلت أتذكر أني كنت أهرب منه لسبب ما، وعندما فاض الكأس حدث اللقاء الموعود.
2.متى أول مرة خطَّطت فيها نصاً بقلمك ؟ وبم شعرت حينها ؟
كتبت أول نص قصصي وأنا في الخامسة عشر من عمري تقريباً ، لم أتذكر بصِدق شعوري لحظة كتابة أول نص، ولكن أظنه كان ارتياحاً ، لأن النصوص التي كتبتها في مراحل لاحقة وإلى اليوم أشعر بعدها بارتياح لا يمكن تصوره كمَنْ أزال مِن على كتفه صخرة تُعيق سيره.
3.هل سبق وأنْ عرضت نصوصك على أحد المقرّبين أو متخصصي اللغة؟
في السلك الثانوي التأهيلي قدَّمت مجموعة من القصص القصيرة لأستاذ اللغة العربية وأُعجب بها، وقدَّم لي العديد من النصائح للاستمرار في فعل الكتابة وتجويده، وفي سنتي الثانية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية حيث متابعة دراستي بشعبة التاريخ والتراث والحضارة قدّمت نصوصاً قصصية أخرى لأستاذ متخصص في اللغة العربية يُدرِّس بنفس الكلية، والذي قدَّم لي بدوره مجموعة من الانطباعات حول تلك النصوص، وما زلت إلى اليوم أحتفظ بتلك الانطباعات ،
وليس لدي أي إشكال في الاستشارة مع متخصصين في اللغة أو النقد أو مجالات أخرى أكتب حولها وفعلت ذلك مراراً، وأرى أن العملية تجويدية تفتح عين الكاتب على منافذ جديدة للقضية المعالجة.
4.هل تسمح لأحد بتوجيه النقد إليك؟ وهل تنزعج حينما يتوجَّه لأي شخص آخر؟
النقد بوصلة الكتابة موجهها ومؤطرها إذْ يسهِم في تجويدها وخلق مسالك جديدة لتأويلها، وعلى هذا لا يمكنني أنْ أكون ضد عملية النقد، حيث أسعد عندما يوجِّه لي أحدهم نقداً ، أستمع له وأحلِّل نقده وفي الغالب آخذه بعين الاعتبار، لأنه يكون نابعاً من رؤية تأملية مغايرة وتجربة حياتية مختلفة.
وأنزعج كثيرا عندما يوجِّه نقداً هداماً جارحاً لأحد، لأن مهمة النقد ليس الهدم وإنما البناء.
5.مَنْ أول من مدَّ لك يد العون في بداية مشوارك؟
في الحقيقة عندما قررت الكتابة لم أستشر أحداً ، ولو أنني كنت أقدِّم نصوصي لأساتذتي لتقييمها، ولكن بعد نشر نصي القصصي الأول "عشق بنكهة الأوتوبيس" بجريدة صدى مصر المصرية يونيو 2022، تلقيت عدة رسائل من طرف مجموعة من المبدعين الذين أشادوا بالنص وحبكته، ولكن في نفس الوقت قدَّموا لي بعض التوجيهات من أجل تجويد الكتابة ومن أبرزهم الكاتب الجزائري محمد بن زيان الذي شجَّعني بشكل لا يمكن تصوره على ضرورة الاستمرار في الكتابة والإنتاج، وبعده كان التشجيع من كتاب من مصر والعراق والمغرب٠
6.ما التطورات التي طرأت على أسلوبك خلال مشوارك الأدبي ؟
الكتابة مشوار طويل يتطور باستمرار خصوصاً إذا كان لديك مشروع أدبي تعمل عليه، والإنسان يتغيّر بالتجارب الحياتية والقراءة والكتابة كذلك، فمن المؤكد أن لغتي قد تطورت وأسلوبي قد طرأ عليه بعض التغيُّرات بفضل القراءة الموازية في الإطار النظري للأجناس الأدبية، والمواضيع كذلك فكلما غاص الإنسان في مجال الكتابة كلما أصبحت له نظرة جديدة للمواضيع التي يرغب في معالجتها ، نظرة أكثر عمقاً وأكثر تجديداً.
7.ما الأدوات التي تستخدمها في صقل موهبتك وتعزيز مهاراتك ؟
الموهبة تُصقَل والمهارة تعزَّز بالقراءة المتأنية والمتنوعة والنظرة المختلفة لما يجري في محيطك، وهذه من أهم مميزات الكاتب هو تفرَّده ورؤيته للأشياء التي يعجز الآخرون عن رؤيتها، وأنا أنهل من المدرسة والسوق الشعبي والمقهى والأوتوبيس وأعتبر كل هذه الأماكن خزانات يمكن اللجوء إليها في إطار بحثي عن الأصوات الهامشية والمُهمَشة التي أريد الدفاع عنها.
8.هل تجيد كتابة أي لون آخر بخلاف الروايات؟
بدأت مشوار الكتابة في القصة القصيرة وليس الرواية، ولديّ مجموعة قصصية منشورة عن جامعة المبدعين المغاربة سنة 2025 بعنوان " شموع لا تبتسم" وترجمت من طرف الناقد والمترجم عبد الغفور مغوار إلى اللغة الفرنسية سنة 2026 وقريبا ستُنشر ورقياً، كما أجرِّب الكتابة في المقال والسيناريو والخاطرة وغيرها من الأجناس الأدبية ولي في ذلك بعض الإنتاجات ولكنني أتريث كثيراً في النشر.
9.كيف يمكنة التفرقة بين النص الجيد من الركيك؟ وهل تَروقك كتابات اليوم ؟
مقومات وأسس الكتابة الأدبية تختلف من جنس أدبي إلى آخر، مع عدم إغفال قدرة الكاتب على التجديد في كل جنس، ومباشرة بعد قراءتك الأولية تصنِّف النص وفقاً لمدى احترامه لمعايير كتابة ذلك الجنس.
ولكن أنا أقول دائما أن أي نص أدبي إبداعي تتوقف جودته على القارئ، فإنْ وجد النص الأدبي قارئاً ضعيفاً في لغته وثقافته الحياتية وقدرته على تأويل النص، سيضعف النص، والعكس صحيح أحياناً يكون النص متواضعاً ولكن يصادف قارئاً قوياً يرقى به ويفتح له منافذاً جديدة للتأويل..
10.ممَّن تأثرت من الكتّاب ؟ وأيهما تفضل القُدامَى أم المعاصرين ؟
عبرت مرارا أنني بدأت الكتابة قبل القراءة، ولكن بعد بدء عملية الكتابة قرأت لكتّاب مغاربة وعرب وعالميين كذلك مثل: مليكة مستظرف وادريس الخوري ومحمد شكري ومحمد زفزاف وبثينة العيسى ومحمود درويش ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وإرنست همنغواي ودوستويفسكي وغيرهم.
ولا يمكن التفضيل بين الفترتين فكل فترة لها خصوصياتها ومميزاتها سواء من حيث المواضيع المعالجة واللغة المستعملة والحبكة والأسلوب المعتمد كذلك، وأنت ككاتب من الطبيعي التعرُّف على مُختلَف التجارب لصياغة تجربتك الخاصة.
فكما أقرأ للقُدامى أقرأ بانتظام لكتّاب اليوم، لديّ العديد من الأصدقاء الكتّاب الذين أقرأ لهم سواء إنتاجاتهم الورقية أو الإلكترونية وحتى ما ينشرون على صفحاتهم على مواقع التواصل ، أتعرف من خلالها على تجاربهم الإبداعية والمواضيع التي يتطرقون إليها وبالتالي ما يؤرِّق إنسان اليوم، على اعتبار أن الكاتب هو مرآة مجتمعه .
11.لو أتيحت لك فرصة حضور معرض الكتاب ، ما أول ما توِد فعله عند الوصول ؟
أحضر مِراراً معارض الكتاب سواء الدولية أو الوطنية كقارئ وشعور الحضور لا يمكن وصفه حيث أن تواجدك بين الكتّاب والقرّاء والكتب يمنحك إحساساً مغايراً، وحضرت السنة الفائتة كقارئ وككاتب للمرة الأولى للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط حيث كانت مجموعتي القصصية "شموع لا تبتسم" متواجدة به، وهو شعور مختلف تماماً حيث التواصل مباشرة مع القرّاء خصوصا الراغبين في القراءة لك أو الذين قرأوا لك، وفتح قنوات للتواصل معهم وسماع آرائهم وانطباعاتهم وكذا نقدهم حول إنتاجاتك ،
وإن شاء الله أحضر مستقبلاً لمعارض وطنية ودولية كبيرة ككاتب خصوصاً معرض القاهرة الدولي للكتاب.
12.هل كان اختيار دار النشر أمراً يسيراً أم أنك عانيت الأمرَّين؟
تجربتي الأولى مع النشر الورقي كانت مع مجموعتي القصصية "شموع لا تبتسم" هذه المجموعة فازت بجائزة بجمهورية مصر، ولكن لظروف قهرية تعذّر أمر إتمام عملية النشر، فقررت مباشرة نشرها بالمغرب، ولأنني كنت أتابع عدة دور نشر مغربية اخترت جامعة المبدعين المغاربة بالدار البيضاء مع العلم هي دار نشر فقط وليس توزيع، وكانت تجربة ناجحة معهم.
13.إلام تهدف من خلال كتاباتك ؟
ليس لي هدف من خلال إنتاجاتي سواء في القصة أو الرواية أو السيناريو غير التعبير عن أصوات لا صوت لها، أصوات هامشية ومهمشة لا تجد مَنْ يسمعها، شخصيات في الظل تقاوم في صمت وصمتها هو الذي ينخُرها ويعمِّق من جِراحها.
14.ما الحُلم الذي يروادك وقت الكتابة، أتود أم تصبح مشهوراً ذات يوم ؟
لا، وقت الكتابة أعيش في عالم القصة وشخوصها، أتألم لحزنها وأفرح لفرحها، لا أفكر – ولا وقت لي حينها للتفكير - في الشهرة أو المال أو حتى النشر أو انطباعات الآخرين، لأنني بالأصل لم ألج عالم الكتابة لأصبح شخصية مشهورة.
فعملية الكتابة تمُر عندي عبر مراحل، أفكِّر في فكرة القصة، فأبحث عن القالب المناسب لها، وأنتقل إلى مرحلة الاختمار حيث التفكير في الحبكة بزمانها وشخصياتها واختيار اللغة المناسبة وغيرها من الخصوصيات، لأصل إلى مرحلة الاعتكاف للكتابة الأولية حيث يكون النص عذرياً قبل الانتقال إلى الكتابة الثانية حيث تعديل الأفكار بما يتناسب والخيط المنظِّم للقصة، والاهتمام باللغة. وفي كل هذه المراحل يكون همي منصبَّا حول كيفية إيصال صوت الشخصية المُعالَجة.
15.ما أفضل النصائح التي أُسدِيت إليك ؟ وما النصيحة التي تود توجيهها لمَنْ ما زالوا في بداية الطريق ؟
من أفضل النصائح التي قدِّمت لي في البدايات والتي أحاول الالتزام بها هي ضرورة القراءة المكثفة والمنتظمة، وأنا كذلك سأقدِّم نفس النصيحة مع إضافة بسيطة وهي القراءة المتنوعة، تكتب الشعر أو الرواية أو القصة أمر جيد ولكن عليك القراءة في الفلسفة والتاريخ والمقالات الصحفية وتقرأ حول العلوم والدين وغيرها.
وللشباب أقول اكتبوا بصدق، كونوا سفراء لمجتمعاتكم بنورها وظلامها ، ستواجهون حينها عقبات ولكن أمانة الكاتب تفرض عليك التعبير عن واقعك ، حرفك سيصل إلى قلب القارئ إذا شعُر أنه كُتب بصدق.
وفي نهاية هذا الحوار نود أن نشكر الكاتب " يوسف الفرساوي " على حرصه على إيصال كلمته لكل قارئ نهم يرغب في نهل المزيد من العلم والغوص في عالم القراءة الذي يوسِّع الأفق ويجعل المرء يطَّلع على عالم أكثر رحابةً وسُمواً وينتشله من فراغه وضيقه ، متمنين له مسيرة موفقة .
إعداد الحوار: الكاتبة خلود أيمن .






