مجله قعدة مُبدعين
"عزيزي صاحب الظل الطويل"،
أكتب إليك هذه الليلة من خلف ستائر مخملية هرِمة، تتدلى على نوافذ الوقت كأنها تحفظ أسرار قرونٍ كاملة. وعلى الطاولة شمعة وحيدة، يذوب عمرها ببطء فوق الشمع المتجمد، بينما تتناثر حولها رسائل مصفرة الحواف، مختومة بأختام لم يعد أصحابها بين الأحياء.
أعترف أن بعض الأرواح تشبه المكتبات القديمة؛ كلما أوغلنا فيها اكتشفنا ممرًا جديدًا من الدهشة. وأنت، يا سيدي، تشبه كتابًا عتيقًا وجدته الروح متأخرًا، فخشيت أن تبلغ الصفحة الأخيرة قبل أن تحفظه عن ظهر قلب.
ما زلت أمرر أصابعي على هوامش الأيام، أبحث عن أثرٍ يشبهك، وعن سطرٍ سقط منك سهوًا بين دفاتر العمر. فلا أجد سوى ذلك الحنين النبيل، الجالس في ركن القلب كأميرٍ قديم يرفض مغادرة قصره المهجور.
وإن سألتني ما الذي أبقاني هنا، بين الشمع والمخمل والرسائل العتيقة، لقلت: بعض الحكايات لا تنتظر نهاية، يكفيها أنها كُتبت.
أكمل لك رسالتي كمن يواصل السير في ممرٍ ضيق تحرسه التماثيل الصامتة، لا لأن الطريق ينتهي، بل لأن التوقف فيه يُشبه الخيانة لنبضٍ بدأ.
في هذا المساء، كان للهواء رائحة الورق القديم، كأن الرسائل التي لم تُرسل قد احترقت أخيرًا وصارت بخارًا يلتف حول المصابيح. والشمعة ما زالت تقاوم، تتمايل كشئ يعرف أن نهايته مكتوبة، ومع ذلك يبتسم.
أتعلم؟
أحيانًا لا يكون الغياب فراغًا، بل امتلاءً من نوعٍ آخر. امتلاءٌ يجعلنا نسمع صوت من لا يتكلم، ونرى حضور من لا يظهر. وهكذا صرتَ أنت؛ لا تحتاج أن تأتي، يكفي أن تُفكر فيك الأشياء فتُضيء.
لو كنت هنا، لما قلت لك الكثير. ربما كنت سأكتفي بأن أترك فنجان شايٍ آخر على حافة الطاولة، أو رسالةً قصيرة بين صفحات كتابٍ لم يُفتح منذ زمن، أو صمتًا طويلًا يشبه الاعتراف.
فابقَ كما أنت، ظلًا طويلًا لا يقترب كثيرًا فيؤذي، ولا يبتعد كثيرًا فيُنسى. فقط يمرّ… فيترك أثره على كل شيء.
بقلم: بسمه القاضي
