مجلة قعدة مُبدعين
مقال:-
اللغة العربية بين الهوية والاستلاب
يجدر بي ذكر أن اللغة ليست وسيلةَ تواصلٍ فحسب، بل هي وعاء الفكر والذاكرة الجماعية للأمة؛
فاللغة العربية تمثل تاريخنا العربي والإسلامي، والتراث الأدبي والشعري، ولطالما تغنّى بها الشعراء وأنشدوا، ومنه قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
إِنَّ الَّذي مَلأَ اللُّغاتِ مَحاسِنًا
جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضّادِ
وفي الأندلس، التي كانت مركزًا للعلم والمعرفة، كان طلاب العلم من أوروبا يقصدونها للدراسة، فيتحدثون بلغاتهم ممزوجةً بألفاظ عربية، حتى إن بعض المفكرين الأوروبيين اشتكوا من أن الشباب أصبحوا يفضّلون الكتابة بالعربية لجمالها وقوتها.
فتجربة طلاب أوروبا في الأندلس تدل على أن اللغة ليست مجرد أداة علم، بل تجربة ثقافية متكاملة تُغذي الفكر والفن.
لكن المؤسف هو عزوف كثيرٍ من الشباب اليوم عن لغتنا، وكأن عارًا يتلبّسهم، بل إن بعضهم بات يتنصل من هويته اللغوية؛ فنجد تقديسًا للغات الأخرى، وانتشار الكتابة العربية بحروفٍ لاتينية فيما يُعرف بـ(الفرانكو)، فتتحول اللغة من رمز اعتزازٍ إلى عبءٍ اجتماعي.
ولا سيما أن سبب هذه الحال هو تشويه صورة اللغة والتراث، وتزيين اللغات الأخرى بمظاهر التحضر؛ ومن ذلك الاستعمار الثقافي، إذ باتت لغات المستعمر مرتبطةً بالتعليم والوظائف، إضافةً إلى تأثير الأفلام والأغاني التي جعلت بعض الشباب يرتبط بثقافاتٍ أخرى، متناسيًا عزَّه وثقافته.
وقد دافع أدباء كبار عن اللغة العربية باعتبارها أساس النهضة، مثل طه حسين الذي رأى أن تجديد اللغة لا يعني هجرها، بل تطوير استخدامها لتواكب العصر، كما أكد الجاحظ أن قوة الأمة تظهر في بيان لغتها وبلاغتها.
ورغم التحديات، لا تزال اللغة العربية قوية؛ فهي لغة القرآن، ومن أكثر اللغات انتشارًا في العالم، كما أنها قادرة على الاشتقاق وتوليد المصطلحات الجديدة.
وقد راق لي تصريح رئيس تركيا رجب طيب أردوغان،
إذ بينما كانت العربية تُدرَّس سابقًا مادةً اختياريةً في بعض المدارس، جاءت الخطوة الحديثة لتوسيع تدريسها لتكون متاحة في جميع المدارس كمادة اختيارية، وتكون مادةً إلزاميةً فقط في مدارس الأئمة والخطباء التي تُعدّ لتعليم الفكر الديني.
الفكرة ليست عنصريةً تجاه اللغات الأجنبية، بل الموازنة بين الهوية والانفتاح:
تعلم اللغات الأخرى للتواصل.
الحفاظ على اللغة العربية كلغة تفكيرٍ وإبداع.
الرجوع إلى التراث للتعرّف على جلال اللغة العربية وقوتها، لتصبح مصدر فخرٍ لا عبء.
لذلك، يصبح الحفاظ على اللغة العربية واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا، ليس فقط للحفاظ على هوية الأمة، بل لتطوير فكرها وإبداعها ووعيها.
وأختتم بقول مصطفى صادق الرافعي:
ما ذلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطّت إلا كان أمرُه في ذهابٍ وإدبار.
بقلم: أسماء رضا عبد العليم
