مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة عبير مصطفى
ظلَّت تضرب السماء بجناحيها كي تتمكن من التحليق كحمامة وديعة تخشَى الطيران نظراً لضُعف جناحيها وصِغر عمرها وجسدها الهزيل ولكن محاولاتها المستمرة مكَّنتها من الانتقال بحُرية وخِفة من مكان لآخر بحثاً عن موطن تجد فيه الأمان ، تشعر فيه بالانتماء ، تُخرِج فيه طاقتها المكنونة ، تتمكَّن من ترك البصمة الخاصة بها ، وقد ساعدتها على ذلك تلك المَلكات الفريدة التي حباها الله إياها والتي لولا تيقظها وعدم غفلتها لما وصَّلتها لتلك المكانة المرموقة التي صارت عليها اليوم ، فقد اقتحمت المجال مذُ عام ( ٢٠١٦ ) وصدر لها العديد من الإصدارات وعلى رأسها ( ديوان رسائل لم تصل إليك ، رواية حضرة المتهم قلبي ، رواية رقم قومي ، ديوان هواك الأسود ، رواية كؤود ، وأخيراً رواية رخصة محرمة ) ، وقد شاركت في عدة أعمال أيضاً ومنها ( رسائلهن ، رؤى حالمة ، رؤى القلب ، أوتار ، هذا أنا ، كوكب العزلة ) ، ولا يفوتنا أنْ نشيد بتلك الإنجازات الأخرى التي تشهَد على تألقها وهي أنها عملت كمدققة لغوية في عدة دُور نشر ، كما ترأست لجنة القراءة في دور أخرى ، عملت كمذيعة ومعدَّة برامج براديو تردد وراديو الزيات ، حصلت على دورة في الصحافة الإلكترونية ، حصلت على دورة النحو وإعراب القرآن من أكاديمية ورتل للعلوم الشرعية ، وهي الكاتبة " عبير مصطفى " التي شرُفنا باستضافتها في مجلة ( قعدة مبدعين ) وقد أبدَت رأيها في العديد من أمور المجتمع بحِرص ودقة شديدة ، وهي من مواليد حي الهرم بمحافظة ( الجيزة ) إليكم الحوار.
1.في البداية ، ما سر شغفكِ بالكتابة ؟
من عجيب الأمر أنني كنت أتساءل منذ يومين عن ذاك الشغف الذي يسكننا جميعاً ككتاب، ويلازمنا وكأننا خُلقنا به ،
دعيني أخبرك بأني لا أعرف حقاً ما سر ذلك الشغف. حاولت تفسيره مِراراً دون جدوى ، ربما كنت أكتب لأتنفس، أو لأحيا حيوات عديدة تمنيتها ولم يكُنْ في استطاعتي أنْ أحياها، لأنها لم تُكتب لي في اللوح المحفوظ ، أو لخشيتي اقتحام تلك الحيوات والإبحار بمجرى نهرها.
قد أكتب تأثرًا بحالة مرّت بي، أو لفكرة ألحَّت على وجداني زمنًا وأرَّقتني، فأحببت أن أجعلكم تصابون بالأرق معي ، أسباب عديدة قد تكون أثارت شغفي بالكتابة ولكني في النهاية أكتب لأني لا أعرف سبيلاً آخر للحياة سوى الكتابة.
2.إلام تطرقتِ في رواياتكِ ؟
بداية طرقتُ باب الرواية الرومانسية الاجتماعية فتناولت في (حضرة المتهم قلبي) فكرة ذلك الحب الذي لم يكتمل وماذا لو أن الظروف تأتت لنا واستطعنا استكماله ، ناقشت فيها أيضاً قضية الزوجة الثانية وهل هي جانية أم مجني عليها؟ ،
في (رقم قومي) اقتحمت عالم رجال الأعمال بدهاليزه السرية وخِططه المَحمومة وحربه الضَروس. وفي ( كؤود ) تمردت على القالب الاجتماعي والرومانسي قليلاً أو دعينا نقول أني قد تمرَّدت عليه كثيراً، فناقشت فيها قضية المخنثين جنسياً ،
أولئك الذين ولدوا بأعضاءٍ تناسليةٍ ذكريةٍ وأنثويةٍ على حد سواء، تتناول الرواية نظرة المجتمع لمثل هؤلاء والفرق طبيًا بين مَنْ يعانون من عيوب خَلقية تستوجب التدخَّل الجراحي، وبين هؤلاء الذين يعانون من اضطراب الهوية الجنسية ، كما تعني الرواية بتوضيح رأي الدين في كلا الفريقين. وخوضهم لرحلة شاقة آملين تغيير هذا الوضع الذي خُلقوا به، تُراهم سينجحون أم ستعرقلهم عقبات عدة؟ وإنْ نجحوا فهل تستقيم لهم الأمور كما كانوا يأملون؟ أم أن القدر كان يحمِل لهم في جعبة أسراره عقبات جديدة؟
بينما ناقشت في ( رخصة محرَّمة ) عدة قضايا شائكة، فأغلب شخوصها يحيا تحت أوضاع قاتلة فيحاولون التحايل على الدين والأعراف ليرخِّصوا لأنفسهم ما يعلمون أنه مَحض حرام.. إحدى هذه القضايا هي مشروعية (استئجار الأرحام).
3.هل تفضِّلين المشاركات الكتابية أم الكتابات المنفردة ؟
لا شك أني أفضِّل الكتابة المنفردة عن المشاركات الجماعية؛ فأنتِ تستطيعين من خلالها التعبير عمّا تريدينه بمنتهى الأريحية، الفكرة التي أرَّقتك وحرَّمت عليك النوم يمكنك البدء فيها فوراً دون انتظار رأي الفريق، لستِ مقيدة بفكرة عامة للكتاب لا يمكنك الكتابة خارج إطارها، ولا ملزمة بعدد معين من الكلمات أو بمساحة محددة لا تستطيعين تجاوزها.
كما أن لكِ مُطلَق الحرية في خلق أبطال أعمالك ورسم شخصياتهم وفق ما يتراءى لكِ ، ما عليك إلا أنْ تخرجينهم من مخيلتك وتحدِّدين لهم بعض الخطوط العريضة التي قد يلترمون بها أحياناً ، أو يتمردون عليها في أغلب الأحيان؛ فترضخين لتمرُّدهم الذي يجنح بكِ مبتعدة عن ذلك الخط الدرامي الذي كنت قد رسمتيه لهم من قَبْل ، أسباب كثيرة تجعلني أميل للكتابة المنفردة ، فللكتابات المنفردة سحر خاص أعشقه حد الثُمالة.
4.هل تعكس رواياتكِ الواقع أم أنها مَحض خيال فحَسب ؟
إنْ كنت تقصدين بالواقع واقعي الشخصي فالإجابة هي لا ، وإنٌ كنت تعنين الواقع بشكل عام فبالطبع نعم ، فأي رواية بها جوانب اجتماعية لا بد لها من نقاط تماس والتقاء مع الواقع من حولنا، لا يخلو الأمر في النهاية من بعض الخيال الذي تنسجينه كي تستطيعي قولبة هذا الواقع وِفق ما تريدين.
5.ما ذائقتكِ الأدبية؟ وأي لون أدبي تفضِّلين الكتابة فيه الشعر أم النثر ؟
أنا شاعرة في المقام الأول تأسرني القصائد، والمعلَّقات بشكل خاص كقراءة وكتابة على حد سواء. ولكني بالطبع أعشق الكتابة السردية ، وأجد أريحية في الكتابة فيها بشكل أكبر. وبعيداً عن اللون الأدبي الذي يخطَّه قلمي، فأنا أحب قراءة أدب الخيال ، والميتافيزيكس، وأدب الرعب.
6.كيف تجدين حال الأدب اليوم ، هل تَروقكِ كل الكتابات المتاحة على الساحة ؟
دعيني أخبرك بأن كتّاب عصرنا هذا عليهم ضغوطات كبيرة من جهات عدة ، بدءاً من البحث عن فكرة جديدة لم يتطرق إليها أحد، ومطاردة خيوطها، ثم قولبتها، علاوة على طريقة تناولها. لذا فأنا أرى ساحة الأدب زاخرة اليوم بصنوف من الأدب لم تكُنْ متواجدة في السنوات السابقة، لا شك أن الساحة ممتلئة كذلك بكتابات دون المستوى ، ولكن هذا هو ديدن العالم بشكل عام ستجدين الغث والثمين أينما حللتِ ،
وليست كل الكتابات تروقني بالطبع، فأستطيع الزعم أني انتقائية لدرجة كبيرة لا أنبهر إلا بما يستفز قلمي ويلامس وجداني.
7.أي حقبة أدبية تفضِّلين الحالية أم السابقة ، وبمَنْ تأثرتِ من الكتّاب ؟
أفضل حقبتنا هذه لكل ما ذكرته من إجابة في السؤال السابق، أما عمَّن تأثرتُ بهم من سادات القلم الذين شكَّلوا وجداني فهُمْ ،
يوسف السباعي، محمد عبد الحليم عبد الله، إحسان عبد القدوس، فتحي أبو الفضل، نجيب محفوظ، محمود تيمور ، سهير القلماوي ، كما أنني ابنة مخلصة لـ -عراب الجيل- الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله.
8.ما مفهوم النجاح بالنسبة إليكِ؟ وهل حقَّقتِ النجاح المنشود بعْد ؟
لو أنكِ سألتني هذا السؤال قبل عشرة أشهر لأخبرتك أن النجاح لا يمكن تلخيصه في شعور أو عبارات محددة ، فقد كان استيقاظي كل يوم وأنا بصحة جيدة ومزاج رائق نجاح ، التقائي بأصدقائي بشكل منتظم نجاح ، إحاطتي بأبنائي واستشعاري نعمة وجودهم حولي نجاح لا يضاهيه نجاح .
غير أنني الآن أستطيع أنْ أُخبَرك بملء قلبي أن أعظم نجاحاتي في هذه الحياة على الإطلاق تجلت حين حصلت على إجازة بالسند المتَّصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فقه الفرائض والمواريث.
حين أمسك بالإجازة بين يدي وأطالع أسماء مَنْ اتصل اسمي بهم أجدني أبكي فرحاً ، تنهمر دموعي حين أقرأ اسم سيدنا سفيان بن عيينة ، وسيدنا محمد بن إدريس الشافعي ، وسيدنا نافع مولى ابن عمر، وسيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وسيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم .
هذا هو النجاح الحَق كما أصبحت أعرفه، والذي أحببت أنْ أُكمِل السير على دربه بدراستي للعلوم الشرعية الآن.
9. ماذا أضفَى لك كونك مدققة لغوية أَساعدكِ الأمر على إنجاز مشاريعكِ الكتابية على نحو من السرعة والدقة ؟
من المؤكد أن ذلك ساعدني كثيراً وسهل عليّ الوضع، ولكن الأمر لا يجعلك تستغنين مطلقاً عن الاستعانة بمدقِّق آخر ليراجع بعدك أعمالك ، فعينك التي اعتادت على النص وحفظته من كثرة قراءته ومراجعته تجعلك تُسقِطين رُغماً عنك حرفاً هنا، وهمزة هناك؛ فتحتاجين لمَنْ يطالع نصوصك خلفك ليلتقط ما أسقَطته عيناك سهواً.
10.ما رأيكِ في دور النشر الحالية ، هل تؤدي دورها المحتَّم على أكمل وجه ؟
ليست في أحسن حالاتها كما أعتقد، فالأمر أصبح تجارياً إلى حد كبير وأصبحت الساحة الأدبية يُشار إليها على أنها سوقٌ أدبية ، سوق كغيرها من الأسواق ، يعلو بها ضجيج الربح والخسارة أكثر ممّا تُفصِح المواهب عن نفسها. لا ألوم أصحاب دور النشر على هذا الوضع الذي هُمْ فيه الآن إذْ أنها طبيعة الحياة من حولنا التي تُحيل كل شيء حسي ومعنوي لتلك المادية البحتة.
11.كيف تروِّجين لكتاباتكِ وهل عملية الدعاية مسئولية مشتركة بين الكاتب والناشر أم أنها متوقفة على أحدهما فحَسب ؟
أعترف أني أجد حرجاً في قيامي بالترويج لكتاباتي؛ فتجدينني قليلاً ما أفعل ، لا أنكر أن فيما أفعله -أو لنقل فيما لا أفعله- تقصيراً من نوع ما ، فالدعاية للأعمال مسئولية الكاتب والناشر على حد سواء ، ولكن ربما تقاعس بعض دُور النشر عن الدعاية للأعمال بشكل لائق يدفع بنا إلى الشعور بالحرج من أنْ نعلن عنها نحن بشكلٍ مستمر.
12.هل تعرضين كتاباتكِ على أحد قبل النشر النهائي؟
نعم.. نعم.. نعم.. فلديّ لجنة قراءة شديدة الروعة، لا بد من أنْ تمر أعمالي جميعها على أعضائها قبل أنْ تبرُز للنور، ستة من الأصدقاء الذين أثق في رأيهم كثيراً وأحترمه بشدة، جميعهم قرّاء مخضرمون، وإنْ لم يكُنْ كلهم أدباء.
13.ممَ تستلهمين أفكاركِ؟
بِودي لو عرفت حقاً ممَ أستلهمها ، فأغلب الأفكار تتراءى لي بينما أقوم بجلي الصحون، واعتدت أنْ أسارع بتسجيلها قبل أنْ تهرب من ضجيج قرع الأطباق، أو أنْ تنسل من بين جنبات عقلي لتُغرِق نفسها وسط قطرات مياه حوض الغسيل.
14.هل للدعم دور فعال في منح الكاتب دَفعة للتقدم والاستمرار؟ وهل وجدتِ الدعم الكافي في بداية رحلتكِ ؟
بالتأكيد له دور فعال في ذلك، فلولا وجود مَنْ يدعموننا ويخبروننا بنقاط تميُّزنا ومناحي ضعفنا لكي نتداركها ما استمر أحد في هذه الحياة ، ونعم وجدت الدعم على طول سنين عمري ، وجدته قديماً من والدي -رحمه الله- وبعد ذلك من كل هؤلاء الأصدقاء المخلصين الذين يحيطونني، وجدته من إخوتي ومن أبنائي. أعترف أني مجدودة الحظ بكل مَنْ أهداني الله إياهم.
15.هل الكتابة بحاجة للصبر لحين ظهور إبداعات الكاتب للنور؟ وهل تستحق كل الكتابات النشر ؟
الكتابة تماماً كرضيعك الذي وهبه الله لك بعد طول انتظار، كل عمل أدبي هو ذلك الصغير الذي تحتضنينه بيديك، تهتمين به، وتحرصين على سلامته، وتحرسينه بعين قلبك ، فلا يمكنك أنْ تتركيه يخرج ليواجه العالم وهو غير مكتمل النمو بعْد، بل لا بد لك من التأني حتى يشتد عوده ويغدو قادراً على السير في طُرقات الحياة وحده، فكما يحتاج الصغير منك للصبر والاهتمام ، فالكتابة أيضاً تحتاج منك لنفس الصبر ولذات الاهتمام ، ولا ليس كل ما يُكتَب يصلُح للنشر فبعض النصوص يولد مشوَّهاً لا يمكنك ترك الجميع يطلع عليه؛ كي لا يتأذوا برؤيته.
16.هل تحرصين على حضور فعاليات معرض الكتاب كل عام ؟ وما الشعور الذي ينتابكِ في تلك الأثناء ؟ هل تروقكِ الأجواء أم أنها بحاجة لبعض الإضافات التي تمنحها بريقاً مختلفاً وتجعلها أكثر تميُّزاً ؟
أنتظر فعاليات معرض الكتاب من العام للعام شأني في ذلك شأن كل الأدباء، للمعرض أجواء خاصة، وطبيعة ساحرة، تستوطن قلوبنا ككتّاب وكأننا وسمنا بها. تدفعنا كل عام للَّحاق برَكبه رغم الزحام والمجهود وبُعد المسافة، في أروقته أنت تشتمين رائحة الكتب، تتماهين معها، حتى تغدو هي وكأنها خليةٌ من خلاياك، تستشعرين دفء اللقاء بالأصدقاء الذين قد لا ترينهم لسنوات نظراً لتضارب ظروفكم، تهرولين من هذا الجناح لجناح آخر فقط لتتمكني من الالتقاء لأول مرة على أرض الواقع بصديقة جمعك بها ذلك الفضاء الأزرق فقط، ولم تسنح لكما الفرصة للالتقاء من قَبْل. تجوبين القاعات باحثة عن كتاب جديد لكاتبك المفضَّل لتفاجئين بأن جميع نسخه قد نفدت، تصابين بخيبة أمل ولكنك تتجهزين للعودة من جديدة آملة في أنْ تحصلي على نسخة من طبعة جديدة.
تلك الأجواء نحيا على ذكرياتها من العام للعام الذي يليه.
لذا أعتقد أن أجواءه ليست بحاجة لأية إضافات ، فهي مميزة موشومة بخِتم الروعة دون عناء تبذله.
وفي النهاية نشكر الكاتبة عبير مصطفى على حرصها على نشر تلك القيم والوعي من خلال تلك الكتابات الثرية التي تحاول بثها للجمهور من حين لآخر، متمنين لها مستقبل مشرق ملئ بالإنجازات والنجاحات ...
حوار:الصحفية خلود أيمن .








فخورة جدا بيك يا عبير أنت أديبة موهو بة جدا ربنا يوفقك ويسعدك
ردحذف