حوار صحفي مع الكاتب مجدي حسين

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتب مجدي حسين 



لكل منا حكاية ، ولكن حكايته لم تَكُنْ كبقية الحَكايا فقد انغمس في علم بعيد كل البُعد عن تلك العلوم الأخرى التي ينجذب إليها الجميع ويقضون حياتهم في التعمُّق فيها ، حاول فهم ما يدور في عالمه ، هذا العالم الفريد الذي ليس له أول من آخر لمَنْ يرغب في التوصل لكل ذرة فيه ، لكاتبنا اليوم نهج منفرد فقد حبَّذ علم الفلسفة بما فيه من غرائب وأمور يصعُب على الكثيرين إدراكها ويتعجبون لها ، فهو بحاجة لشخص هادئ رزين يُدرك كيف يمحور حياته حول أمور ذات قيمة ، يصُب تركيزه على أشياء تعود بالنفع عليه وعلى المجتمع بأسْره ، فلم يشعر يوماً أن هذا العلم عبئاً على كاهله ولكنه كان يحبُه أكثر كلما توغَّل فيه ، وقد صدر له مؤلفان في هذا المجال الذي اختاره بمَحض إرادته ليعبِّر فيه عن ذاته ويُبرز تلك المَلكة التي حباه الله إياها وهما
( السلطة ، العدل ، الاستثناء وجدلية الفصل والتداخل ) الذي صدر عام ٢٠٢٤ ، و( نقد العقل التقني والفراغ الميتافيزيقي ) الذي صدر عام ٢٠٢٥ ، وهو من محافظة الدقهلية وله العديد من النصوص التي نُشرت على مواقع إلكترونية مختلفة ، دعونا نرحِّب به في مجلة ( قعدة مبدعين ) ؛ إليكم الحوار :


1. في البداية ، حدثنا عن سبب شغفك بالكتابة ؟

أرى أنَّ الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل محاولة لفهم العالم وإعادة تأمله ،
 منذ سنوات مبكرة كنت أنشغل بالأسئلة الكبرى المتعلِّقة بالعدالة والمعنى والإنسان والسُلطة ومع مرور الزمن شعرت أن الكتابة تمنحني القدرة على تحويل هذا القلق الفكري إلى مشروع معرفي يمكن مشاركته مع القراء لذلك كانت الكتابة تمثِّل نوعاً من الحوار المستمر مع الواقع والعقل والتاريخ .


2 .هل تشعر أن للدعم وقعاً بالغ الأهمية في نفس الكاتب ؟ ومَنْ أول مَنْ دعمك في مشوارك الأدبي؟

الدعم بلا شك يترك أثراً عميقاً في نفس الكاتب، لأن الكاتب في بداياته يخوض معركة التساؤلات العميقة
وبالنسبة لى على وجه الخصوص أجد الحافز الداعم هو الإسهام بجزء بسيط فى التراث الفكرى الذى قد يكون مفيداً فى المستقبل ويحقِّق التأثير المرجو منه .



3 لمَن توجِّه كتاباتك ، هل تكتب لفئة عمرية معينة ؟

لا أكتب لفئة عمرية بعينها، بل أكتب لكل مَنْ يملِك استعداداً لمشاركتى البحث والرأى والنقد أيضاً ثم طرح الأسئلة. قد تبدو بعض الأفكار فلسفية أو معقَّدة، لكني أحاول دائماً تقريبها من الواقع الإنساني والاجتماعي حتى لا تبقى حبيسة الأوراق .


4 .هل الفكرة مِلْك للكاتب أم أنه عبدٌ لها ؟ بمعنى آخر هل تنساق وراء الأفكار أم تضع خُطة قبل الشروع في الكتابة ؟

بداية جميعنا عبيدا لله وأعتقد أن العلاقة بين الكاتب والفكرة علاقة جدلية؛ فالكاتب لا يملِك الفكرة تماماً ولا يكون اسيراً لها أيضاً. في البداية يكون هناك تصور عام ثم تنساب الأفكار وتكون بحاجة إلى تعديل وتنقيح مع الاقتباس من أفكار الآخرين بما يعضض التصوُّر المرجو إلى إعادة تشكيل النص وتوجيهه نحو مسارات جديدة لم تَكُنْ متوقعة بحيث يصبح في أفضل حالة ممكنة للتعبير عن المشهد النهائى الموضوع .


5 هل جرَّبت كتابة أي لون أدبي آخر بخلاف النثر ؟

نعم، جرَّبت أنماطاً مختلفة من الكتابة عبر مواقع التواصل ومنصات إلكترونية ولكن لم تَكُن مَحط اهتمام بقدْر الحدث والتاريخ والفكر الغائى والشأن السياسى والدراسات المذهبية .

6 .ما ذائقتك الأدبية ؟

ذائقتي الأدبية تميل إلى الأعمال التي تجمَع بين العمق الفكري والقدرة على ملامسة الواقع الإنساني. أجد نفسي قريباً من الكتابات الفلسفية والنقدية التي لا تكتفي بوصف العالم بل تحاول تفكيكه وإعادة قراءته ،وبخاصةً الكتابات الرمزية التى يكون فيها إسقاط على الواقع من خلال العرض الساخر أحياناً والعبارات الموجزة . 


7.كيف تشجِّع الآخرين على الكتابة وبالأخص ابنتك ؟

أشجع الآخرين على الكتابة عبر دفعهم إلى التفكير الحر وعدم الخوف من الخطأ أو النقد. أما بالنسبة لابنتي فهى لديها دأب على القراءة كعادة يومية فأنا أدرك أن الكاتب الجيد يُولد أولاً من قارئ نهم يملِك خيالاً واسعاً وقدرة على التساؤل.

8. إلام تهدف من خلال كتاباتك؟

أهدف من خلال كتاباتي إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرَى التي تم تجاهلها في عصر السرعة والاستهلاك، مثل سؤال العدالة والحرية والمعنى والهوية ومعايير الحداثة والتقنية أحاول أنْ أجعل القارئ يُعيد النظر في المسلَّمات التي يعيش داخلها دون أنْ ينتبه إليها.

9. هل وصلت لمشارف الطريق بسهولة أم أن الأمر قد استغرق وقتاً طويلاً ؟

هذا الأمر غالباً لا يأتى صدفة ولكن تتهيأ الأسباب بالمقادير الإلهية ، لأن الكتابة الفكرية تحتاج إلى زمن طويل من القراءة والتأمُّل والبحث و التفكير للوصول إلى صوت خاص بالكاتب .

10.هل النشر الورقي مُجدٍ أم أنه مجرد رغبة منا في إحداث فارق أو طفرة نوعية في الحياة؟

رغم التحوُّلات الرقمية ما زِلت أرى أن النشر الورقي يحمِل قيمة رمزية ومعرفية كبيرة،
لكن الأهم أنه يعَد سنداً تاريخياً باقياً مع الزمن لحين الحاجة إليه فهو حاضر دائماً لأن الكتاب الورقي يمنح الفكرة نوعاً من الثبات .



11 .هل ترى الكتابة موهبة أم هواية وما الأدوات التي تطوِّر بها تلك المَلكة ؟

هي وعلى ما أعتقد هبة من الله بالإضافة إلى الجهد الإنسانى الذى يبذله العقل والهِمة فى ملء الحافظة الذهنية بالعلم النافع الذى يُصقِل تلك المَلكة ويمنحها النضج الحقيقي.


12.ما النصائح التي توجِّهها للجيل الجديد الذي ينقُصه الكثير من الخبرات في المجال ؟

أنصح الجيل الجديد ألا يتعجَّل الشهرة أو النشر، بل أنٌ يمنح نفسه وقتاً كافياً للقراءة والتكوين المعرفي. الكاتب الحقيقي لا يصنعه عدد المتابعين بل تصنعه قدرته على بناء رؤية مستقلة وفهم أعمق للحياة والإنسان. و كثيراً من المفكرين بقوا مغمورين طوال حياتهم ولكن أعمالهم غيَّرت أنماط التفكير فى العالم .


13 ما الفكرة التي طرحتها في آخر مؤلَّف لك؟

آخر مؤلف لي بعنوان "نقد العقل التقني والفراغ الميتافيزيقي"، وقد حاولت فيه مناقشة أثر التقنية الحديثة على الإنسان المعاصر، وكيف يتحول التقدُّم التقني أحياناً إلى حالة من الفراغ الروحي وفقدان المعنى رُغم الوفرة المادية والمعرفية. و لم يجنِ الإنسان شعور الرفاة المرجو خاصةً بعد مواجهة نفسه التي تفتقر إلى القيمة والمعنى شيئاً فشيئاً .


14 .هل تسعى وراء الشهرة من خلال الكتابة أم لديك أهداف أخرى ؟

لا أرى الكتابة طريقاً إلى الشهرة بقدْر ما أراها محاولة للمساهمة الفكرية وترك أثر معرفي. الشهرة قد تأتي أو لا تأتي، لكنها ليست الهدف الأساسي، لأن القيمة الحقيقية تكمُن في الفكرة ذاتها ومدى قدرتها على البقاء والتأثير.


15.ممَّن تأثرت من الكتّاب ؟ وهل تفضِّل المعاصرين منهم أم القُدامَى ؟

تأثَّرتُ بعدد كبير من الكتّاب والمفكرين، سواء من التراث أو من الفكر الحديث، مثل عبد الوهاب المسيري ووائل حلاق وبعض الفلاسفة الغربيين الذين تناولوا قضايا الحداثة والسلطة والإنسان. ولا أفضِّل القدامَى أو المعاصرين بشكل مُطلَق، لأن القيمة الحقيقية في عُمق الفكرة لا في زمن صاحبها. مع العلم أن ساحة المعاصرين المعرفية أوسع من ساحة القُدامَى بسبب التراكم المعرفى الذى استطاعوا عبر مرور الزمن أنْ يحصلوا عليه .


16.هل تهتم بندوات الأدب وسبق أنْ حضرت أي منها ؟ وما رأيك فيها بوجه عام ؟

أهتم بالندوات الفكرية والأدبية لأنها تفتح باب الحوار وتبادل الرؤى، لكني نادراً ما أحضر نظراً لانشغالى بشئون الدنيا والمعاش ، فأنا لست منفصلاً عن الحياة وحاضراً فيها بطبيعة الحال والظرف الاجتماعي والمادي .


17 .ما هو طموحك في الحياة؟

أود أنْ أواصل بناء مشروع فكري متكامل يطرح أسئلة الإنسان المعاصر في علاقته بالسُلطة والمعرفة والتقنية والمعنى، وأن أترك أثراً فكرياً يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.


18 هل وجدت مَنْ يُرشدك للصواب في بداية رحلة النشر أم اعتمدت على محاولاتك الشخصية وكيف وجدت دار النشر المناسبة؟

في بداية رحلة النشر اعتمدت كثيراً على محاولاتي الشخصية والبحث المستمر، لأن التجربة نفسها كانت جزءاً من التعلُّم. اختيار دار النشر المناسبة يحتاج إلى توازن بين جودة النشر والاهتمام بالمحتوى الفكري .


19 كيف تروِّج لكُتبك وهل المسألة مشتركة بين الكاتب والناشر أم أنها مسئولية أحدهما فقط؟

أرى أن الترويج للكتاب أصبح مسئولية مشتركة بين الكاتب والناشر. الناشر يملِك أدوات النشر والتوزيع، بينما الكاتب هو الأقدر على تقديم مشروعه الفكري والتواصل مع جمهوره عبر المنصات المختلفة. لكن قد يعوق ذلك نسبياً الالتزامات الحياتية وضيق الوقت .



20 هل ترى أن الكتابة وحدها كافية أم أن المرء بحاجة لما يُدِر عليه بعض الربح أو الدخل مهما كان زهيداً ؟

في الواقع يصعب الاعتماد على الكتابة خاصةً فى حالتي لندرة المصنفات كمصدر دخل، لذلك يحتاج الإنسان غالباً إلى عمل آخر يوفِّر له الاستقرار ،
لكن القيمة الحقيقية هى الإسهام المعرفى والمشاركة فى تأسيس الأمنية الحضارية التى تحتاجها شعوبنا العربية والشرقية .


21 هل لديك أفكار ما زالت تحت قيد التنفيذ ؟

نعم، لديّ عدة أفكار ما زالت قيد التنفيذ، بعضها يرتبط بالفلسفة السياسية ونقد الحداثة، وبعضها الآخر يتناول العلاقة بين التقنية والوعي والميتافيزيقا، وهي قضايا أراها شديدة الارتباط بتحولات الإنسان المعاصر ، ولدينا مشروع كتاب جديد أوشك على الانتهاء بعنوان مبدأى السلطة والنص وعلاقة التوتر والتوظيف .


وفي النهاية نشكر الكاتب " مجدي حسين " على حواره الشيق وأفكاره المميَّزة التي أسهَمت في تغيُّر نظرة الكثيرين نحو العالم وأخرَجتهم من تلك البؤرة الضيقة التي ينظرون منها للأمور ، فهو يرى العالم من زاوية مختلفة بالفعل ، متمنين له مسيرة موفقة ودرب حافل بالنجاحات والإنجازات ...

حوار : الكاتبة خلود أيمن 

إرسال تعليق

أحدث أقدم